وانتبهوا هنا إلى هذه النقطة: هل الأساس هو النظر العقلي أم الأمر العملي؟ الجواب: الأمر العملي هو الأساس.
وما سنقوله الآن تجدونه كله في سورة البقرة عند تفسير: {وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} .
هل الأصل في الإنسان أن يكون عالمًا أم أن يكون عاملًا؟ هل أصل الكلمة هي ما استقر في الذهن ثم اصطبغ به الواقع، أم أن الواقع هو الذي أنشأ الكلمة فأخذها الآخر إلى معاني العِلم؟
يعني الآن، هل الأصل هو كلمة"راوية"التي يُحمل فيها الماء، ثم أخذناها للعلم؛ أم أن أصلها في العلم ثم أخذناها إلى الإناء الذي يحمل الماء؟ الجواب: هو الأول، وهو أن الأصل في الكلمة هي التي أنشأها الفعل، المادة التي بين يديك هي التي أنشأت، ثم بعد ذلك تُعمَّم هذه الكلمة إلى المعاني العلمية، وإلى المعاني النفسية.
ولذلك أصل الراوية هي التي يُحمل بها الماء، فيُقال لرجل ارتوى بمعنى امتلأ، ويقال أيضا ارتوى بمعنى أنه أخذ من الراوية فارتوى. وسُمي حامل العلم راويًا لأنه يحمل في داخله الخير (الماء) ، ولأنه في الراوية يتم نقل الماء، فالراوية ينقل العلم.
وعن الحسن:"العالم الذي وافق علمه عمله، ومن خالف علمه عمله؛ فذلك راوية حديث، سمع شيئا فقاله"، وقال الثوري:"العلماء إذا علموا عملوا، فإذا عملوا شُغلوا، فإذا شغلوا فقدوا، فإذا فقدوا طُلبوا، فإذا طلبوا هربوا"
تصور، العلماء في النهاية يهربون! كان الله في عونهم.
وعن الحسن؛ قال:"الذي يفوق الناس في العلم جدير أن يفوقهم في العمل"
لا إله إلا الله، ما أروع هذه الكلمة!
"وعنه في قول الله تعالى: {وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ} [الأنعام: 91] ؛ قال:"علمتم فعلمتم ولم تعملوا؛ فوالله ما ذلكم بعلم""
لأن الحديث عن بني إسرائيل.
"وقال الثوري:"العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه؛ وإلا ارتحل". وهذا تفسير كون العلم هو الذي يلجئ إلى العمل، وقال الشعبي:"كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به"، ومثله عن وكيع بن الجراح"
والله يا إخوتي، لو جلس عالِمٌ العمر كله -كما يجلس محفظ القرآن عمره كله لتحفيظ القرآن-، لو جلس عالمٌ إلى الممات ليتحدث عن مناقب علمائنا؛ لأفلح وأنجح.