فهرس الكتاب

الصفحة 508 من 809

والثاني: الفلتات الناشئة عن الغفلات التي لا ينجو منها البشر؛ فقد يصير العالم بدخول الغفلة غير عالم، وعليه يدل -عند جماعة- قوله تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} 4 الآية [النساء: 17] ""

إذن الأولى هي صفة المعاندين، وهؤلاء هم الأشبه بالشياطين، الصورة الأولى من المعاندين أشبه بإبليس، لأنه عاند، فإذا سُئل المعاند: لماذا فعلت هذا؟ يقول: أنا لا أريد أن أتبعك، مثل ما قال الشيطان، وجعل يفسر معصيته.

وهذه إن شاء الله إذا جلسنا جلسة تفسيرٍ نفسرها ونُبينها، فهي مهمة جدًا: ما الفرق بين معصية آدم ومعصية إبليس؟ كلاهما عصى، ووقع تفريق بين المعصية التي يُؤدَّى بها إلى جهنم، والمعصية التي توصِل صاحبها إلى أرقى الدرجات؛ لأن أساس خلقك أيها الإنسان، من أجل أن تعصي وتستغفر.

وهذه نقطة هي من أجَلِّ ما تعرف في هذا الوجود، وهو أن الله خلق الإنسان ليعصي ويستغفر. لماذا خلقه ليعصي ويستغفر؟ لأن الملائكة يقومون بالطاعة من غير معصية، فلا تتجلى في الوجود صفاتٌ للرب يُحب ربنا أن يعرفها خلقه، بمعنى أن الملائكة يطيعون الله ولا يعصونه، فلا تتجلى بأفعالهم هذه إلا صفات الرب العظيمة، من القدوسية، من الكبرياء، من العزة، من الجلال، لكن لا يتجلى بهذا الفعل الملائكي صفة لله اسمها"الغفور"، ولا"الرحيم"؛ فأظهر الله وجودك أيها الإنسان، مِن أجْل أن يُظهر صفته"الغفور"، فقط؛ ولذلك جاء في الحديث: (والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم) ، فإذَا لا تذنبون لا يريدكم سبحانه.

ولذلك الملائكة لم يفهموا هذا: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} ، فقال سبحانه: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} .

وحين تحدث التوبة، يفرح لها الرب فرحًا لم يوجد له مثيل في كل المُثل المضروبة في كتاب الله وسنة رسول الله، وهو أن يصف الرب فرحه كفرح الرجل الذي ضلت دابته، فأيقن بالهلكة، ثم قام فوجدها، فقال من شدة الفرح:"اللهم أنت عبدي وأنا ربك"، أخطأ من شدة الفرح! هذا فرح يغمر النفس حتى يغطي عليها، ويحبس عليها منافذ الإدراك، ومنافذ النظر، فتقول:"اللهم إنك عبدي وأنا ربك"، أخطأ من شدة الفرح. فالله ضرب مثلاً لفرحه بفرح هذا العبد، وهذا أمر لا يمكن إدراكه قط!! ولذلك الله خلقك لهذا، وهو أعظم الفرح، هو فرح يطغى على النفس.

فالرب يفرح عندما تصلي، وهو فرح عظيم، يُقبل عليك بوجهه، وعندما تحج يقبل عليك بوجهه، وعندما تتصدق يُقبل عليك؛ ولكن لا يصل هذا الفرح الإلهي إلى درجة فرحه عندما يتوب المرء ويستغفر، هذا فرح يطغى. ومع أننا نعلم أن الرب لا يُخطئ، فلا يكون المَثل تامًا، لكننا نعلم أن النتيجة واحدة، وهي أن تنقلب نفس الرب من غضب عظيم على العاصي، إلى حب عظيم له، حتى أنه يبدل سيئاته حسنات! ولذلك أنت خلقك الله لهذا. فانتبه لهذا المعنى، أنت خُلقت لهذا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت