وهذه نقطة مهمة في قضية موانع اتباع الحق، والقرآن مليء بها: ما الذي يعتذر به الكافر من عدم اتباع الحق بعد معرفته؟ ما الذي يعتذر به المبتدع؟ -وهذه نقطة أخرى تابعة لها، وهي مهمة، ويجب أن تُبحث-.
فليس كل مانع ينفع به الاعتذار، لا يصلح أن يقول أحد:"والله، اتبعت الهوى"، فأعظم ما يعتذر به الكافرون يوم القيامة على عدم اتباع الحق هو اتباع الكبراء، وهذه ليت المشايخ يجلسون ويعلمونها؛ لأنها حجة كل مبطِل، وكل فاسد، وكل ضال، وكل مبتدع: { ... يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} ، وهذه نظرية المؤامرة، وهي موجودة في القرآن: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} .
القصد؛ هذه المسألة عليكم أن تفرعوها من العنوان الأول:"ما الذي يمكن أن يعتذر منه الكافر؟"، وجوابها في القرآن.
"فقد يخالف فيه مقتضى الطبع الجبلي؛ فغيره أولى، وعلى ذلك دلّ قوله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا} الآية [النمل: 14] ، وقوله تعالى] 2: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} "
أصل المعاصي -كما يقول مالك-: الكبر والحسد، فأول معصية للشيطان هي: الكبر والهوى، وأما أول معصية نشأت في الوجود من بني البشر فالحسد، حسد الآخرين: {حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} .
وانتبهوا إلى: {حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} ، نحن لسنا في درس تفسير، وإلا فهذه تحتاج في الحقيقة إلى وقفة جليلة عظيمة: لم يقف سبحانه عند"حسدا"وانتهى، إضافة" {مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} "تحتاج إلى وقفة عظيمة، وسنأتي إليها، فكروا فيها وارجعوا إلى كلام أهل العلم فيها، ولا أذكر هل عرج عليها الزمخشري أم لا، وفي مثل هذه اللفتات ارجعوا إلى الزمخشري، وارجعوا إلى ابن عطية.
"وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ] } [البقرة: 109] وأشباه ذلك، والغالب على هذا الوجه ألا يقع إلا لغلبة هوى"
إذن هناك صراع بين العلم وبين الهوى، صراع إرادات مثل ما قلنا.
"والغالب على هذا الوجه ألا يقع إلا لغلبة هوى من حب دنيا أو جاه أو غير ذلك، بحيث يكون وصف الهوى قد غمر القلب، حتى لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا."