وفي القرآن: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب} [البقرة: 44] .
وقال: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى} الآية [البقرة: 159] .
وقال: {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا} الآية [البقرة: 174] .
وحديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، والأدلة فيه كثيرة، وهو ظاهر في أن أهل العلم غير معصومين بعلمهم، ولا هو مما يمنعهم عن إتيان الذنوب؛ فكيف يقال: إن العلم مانع من العصيان؟""
الاعتراضات واضحة، متقاربة بين الأول والثاني، ولا ضرورة لنقف عندها، فهي بينة إن شاء الله تعالى.
"فالجواب عن الأول: أن الرسوخ في العلم يأبى أن يخالفه بالأدلة المتقدمة، وبدليل التجربة العادية؛ لأن ما صار كالوصف الثابت لا يتصرف صاحبه إلا على وفقه اعتيادا، فإن تخلف؛ فعلى أحد ثلاثة أوجه"،
انتبهوا لهذه الكلمة أولًا:"لأن ما صار كالوصف الثابت"
معنى الثبوت: الرسوخ. صار العلم صفة نفس، ثابتًا، راسخًا.
قال:"لا يتصرف صاحبه إلا على وفقه -أي على وفق العلم- اعتيادًا"
الناس حين يتصرفون على هذا المعنى الذي تقدم -أنه صار صفة نفس-، كيف يتصرفون؟
هو يقوم ويصلي، كما أنه يقوم ويلبس ثيابه، ويغسل وجهه، ويذهب إلى العمل، ويركب، ولو سألته: ماذا فعلت اليوم؟ لماذا تفعل هكذا؟ وكأنه يجري فيها على مجرى لا يفكر فيه.
أسألكم: لمّا واحد يسوق السيارة، لما يتحرك ويغير بدَّال السرعة، أو يضغط على ضغطة البنزين، هل هو يحتاج إلى أن يقول:"أريد أن أفعل كذا"؟ أم هو يتصرف بتلقائية؟ تصبح الحركة ملكة نفس، صفة، وهكذا هو العلم، يتحرك على أساسه،
فهو قال:"إلا على وفقه اعتيادًا"، يصبح العلم يتحرك فيه كأنه على هذه الحالة التي ذكرنا، يعتاده.
"الأول: مجرد العناد، فقد يخالف فيه مقتضى الطبع الجبلي؛ فغيره أولى"
الشيخ الآن يقول: هل هناك من البشر من يخالف الطبع الجبلي؟