فهرس الكتاب

الصفحة 504 من 809

وهنا تأتي مسألة: بعد أن تمارِس القراءة ممارسةً حقيقية، وتصبح القراءة لك مَلَكة أولًا، ثم تصبح الكتابة لك ملكة، حينئذ تُصبح كتابة الآخر كأنها كتابةٌ لك، تعرف أين هرب وأين دخل، أين أخلص وأين خرج، هل فهمنا هذه؟ يعني أنا الآن حين أكتب، فالهداية تقول لي: هنا مسألة لا بد أن تذكرها، لا بد أن تعرج عليها لأنها مهمة، ولكن هو يعرف أنه لا يستطيع ركوب هذه المهمة العظيمة، فينحرف، يهرب منها، لا يأتي إليها.

فأنت حين تقرأ، وكأنك تكتب، ولما تكتب يقول لك عقلك وهدايتك وطريقة إنشاء الكتابة: لا بد أن تدخل هذا المزلق، لا بد أن تعاني هذه المسألة، فهو لما يقول: كيف سأكتبها؟ يحاول فيعجز، أو ذهنه يقول: هذه لا إجابة عليها، فيهرب منها، فأنت حينئذ تدرك كيف هرب المتكلم، وكأنك تجلس مع نفسه لا مع حرفه فقط، وهذا مهم جدًا.

وهذه المرتبة، متى تنشأ لديك؟ تنشأ لديك مع القراءة الطويلة ومع الكتابة كذلك، لا يدركها من هو قارئ فقط، بل يدركها الذي يعالج الكتابة، يفهم ما الذي حدث في نفس هذا الكاتب ليقول هذه الكلمة، فكأنك تسيطر، أو تكتشف، أو كأنك تراقب حركة هذا الكاتب، فيصبح مكشوفًا لك، وحينئذ أنت تتخلل هذه الكتابة، تتخلل معانيها، وتستطيع أن تدرك ماذا يريد، وكيف قال هذه الكلمة، إلى آخر مَهمات هذه المسألة، فانتبهوا إليها لأنها مهمة.

وأنا أعود إلى القاعدة الأولى التي قلت، وهي أن الكتابة اكتشاف، الكتابة ليست إبانةً فقط، هي إبانة واكتشاف،

قد يقول قائل: هل يذهب الكاتب ليكتب ما لا يعلم؟ الجواب: لا، لا يوجد، هو يريد مسألة تكون في مهماتها واضحة في ذهنه، لكن حين يكتب، المسألة تسوقه؛ فأكثر مِن كاتب اعترف أنه في بداية الكلام أراد شيئًا، ثم خرج منه بعد ذلك، وسيطرَت عليه مسألة أخرى فتكلم فيها، إلى آخر ذلك من المهمات؛ وهذا على قاعدة أن العلم ينمو بالعطاء، والكتابة عطاء، فالعلم ينمو بها.

والعالم حين يطرح الاعتراض بصيغة:"فإن قيل"، يعني أنه نشأ لديه هو، فقول الشاطبي:"فإن قيل"، دل على أنه وهو يكتب، جاءه العقل يقول له:"قد يعترض معترض"، وليس على الحالة الأولى ولا الثانية -التي نشأت الاعتراضات فيها من عالم آخر أو من بحثه مع علماء-، وإلا لكانت عبارة إيراد الاعتراض:"وقيل هكذا"، أو"وقيل"، أو"لرد هذه كذا"، لكن استعمال عبارة:"فإن قيل"، دل على أنه نشأ في نفسه، وهذا بيّن وواضح.

طبعًا هو لم يرُدّ، فبيِّنٌ أن هناك من يعلم ويعصى، وهو الآن يتكلم عن العلم المُلجِئ، العلم الذي أصبح صفة نفس، ويكفي هذا، ونأتي إلى الثاني لأنه سيرد عليه.

"والثاني: ما جاء من ذم العلماء السوء، وهو كثير، ومن أشد ما فيه قوله -عليه السلام-:"إن أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت