-إما أن يكون العالِم قد عرض كتابه على إخوانه ومشايخه، فنبهوه إلى نقط يوجد ما يرد عليها، فبيَّنه، أي أن يعرض كتابه، فيقول له أخ من العلماء: هذه تحتاج إلى إبانة، فقد يعترض عليك الناس بقولهم كذا وكذا، فيأتي بها.
-وقد يكون قد بَحث هذه المسألة في حياته مع إخوانه العلماء فصار مسارًا، ونبه عليه، أي: قد يكون هو باحثَ هذه المسألة في حياته وحواراته مع العلماء فأنشأ هذا الرد،
وهذا شيء معروف ومفهوم، لكنني آتي إلى النقطة الثالثة مِن كيفية كتابة العلماء ردود الخصوم خلال مباحثهم العلمية، وهي أنَّ:
-الكتابة اكتشاف، هذه يجب أن تعلموها، بعض الناس يظن -وما نريد أن نُشكِل، كل مبحث يحتاج إلى تطويل، ولكن نحن نأتي ونضع صورًا وعلامات فقط، للتنبيه-، بعض الناس يظن أن الكاتب تكون المسألة واضحة في ذهنه فيكتبها، هذا في الحقيقة قلَّما يوجد، قلَّما يوجد أن رجلًا تكون المسألة في ذهنه واضحة في كل أبعادها، وأطرافها، وهوامشها، ومتعلقاتها، ويذهب إليها ليكتبها، فيخرجها من ذهنه ويضعها على الورق. الحقيقة أنَّ هذه الصورة قلَّما توجد، ولكن الصواب أن الكثير من الكتابة اكتشاف، فكما أن القارئ يكتشف الجديد وهو يقرأ، ويلاحق ما يقوله الكاتب، كذلك الكاتب يكتشف -وهو يكتب- من العلوم ما لم يكن يعلمه من قبل.
من أين أتينا بهذا؟ جاء مِن قاعدة أن"العلم ينمو بالعطاء"، لا أريد أن أقول:"بالتجربة"، مع أن التجربة شاهدةٌ عليّ لو تحدثتُ عن نفسي، ولكن مصدر هذا القول، هو قول علمائنا: العلم ينمو بالعطاء، كل شيء يقِلّ بالعطاء إلا العلم، ولا أعلم أحدًا في تاريخنا جلسَ ليتكلم ولمْ يظهر له هو في كلامه شيء جديد له، لا يوجد.
وعلماؤنا يتحدثون عن هذا، نجد في كلامهم أنهم يذكرون كيف أن المسألة الفلانية لم تخطر في بال أحدهم، وكيف تكلم بها، وكيف فتح الله عليه عندما كتبها وهي لم تكن في ذهنه من قبل؛ فالكتابة اكتشاف لأنها عطاء، ولمّا كان العلم ينمو بالعطاء، وكذلك الكتابة تعطي، فالعلم ينمو بالكتابة، يعني أنه ينمو بالاكتشاف -يكتشف نفسه-. كما أن القراءة اكتشاف فكذلك الكتابة، إنْ أخلص المرء فيها يكتشف، وهو يمشي يحس أن هذه المسألة يمكن أن يعترض عليها معترض، وهكذا، وكلما نما عقل المرء، عَلِم وجهة نظر مخالفه.
هذا ينشأ بِأنْ تكون تكتب، وحاضرٌ في ذهنك لو أنك تقرأ أنت هذا الكلام، كيف تعترض عليه، وماذا يمكن أن ينشأ في نفس القارئ من الاعتراض. فالعالِم حين ينظر إلى كلامه، ينظر إليه كأنه كلام أحد آخر، كأنه كلام غريب، وبهذا تنشأ هذه الصورة، تنشأ هذه المعاني فيرد عليها ويكتشفها، والكتابة تسوق صاحبها، فليس الكاتب هو الذي يسوق الكتابة، لكن الكتابة هي التي تسوقه، تقول له: لا بد أن تمشي هنا، هنا ضرورة، فترغمه على المشي.