هذا الكتاب ليس متنًا يوقف عند كل لفظ فيه، ولكن لما توسع مطلب هذه الجلسات بأنْ تكون قراءةً لكتب السلف، وكذلك تنمية للعقل في النظر والبحث، توسعنا على وفق هذا المطلب.
"والأدلة أكثر من إحصائها هنا، وجميعها يدل على أن العلم المعتبر هو المُلجئ إلى العمل به."
فإن قيل: هذا غير ظاهر من وجهين:
أحدهما: أن الرسوخ في العلم؛ إما أن يكون صاحبه محفوظا به من المخالفة، أو لا.
فإن لم يكن كذلك؛ فقد استوى أهل هذه المرتبة مع من قبلهم، ومعناه أن العلم بمجرده غير كاف في العمل به، ولا ملجئ إليه.
وإن كان محفوظا به من المخالفة؛ لزم ألا يعصي العالم إذا كان من الراسخين فيه، لكن العلماء تقع منهم المعاصي، ما عدا الأنبياء -عليهم السلام- ويشهد لهذا في أعلى الأمور قوله تعالى في الكفار: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} [النمل: 14] .
وقال: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} [البقرة: 146] .
وقال: {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك} [المائدة: 43] .
وقال: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} .
ثم قال: {ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} [البقرة: 102] .
وسائر ما في هذا المعنى؛ فأثبت لهم المعاصي والمخالفات مع العلم، فلو كان العلم صادا عن ذلك؛ لم يقع"،"
بعد أن بيَّن الشيخ -رحمه الله- مراتب العلماء مع العلم فيما تقدم -ولا نريد أن نعود إليها-، وجاء إلى المرتبة الثالثة، والتي تشير إلى كون العلم أصبح صفة نفس لهؤلاء، الآن جاء إلى المعترضين، ونحن قلنا بأن الأدلة تقسم إلى ثلاثة أقسام: دليل استشهاد، دليل اعتضاد، ودليل رد الاعتراض، فهو الآن يأتي إلى الاعتراض، ويعرج عليه، ويكِر عليه ليُزيله.
ولتَعْلموا كيف يُصنف المرء كتابه، نُبَيّن مسألة: كيف يُنشئ العالم هذه الاعتراضات في كلامه ليكر عليها بالإزالة والرد؟
الجواب: