"إلا أنها أخفى مما قبلها، فيحتاج إلى فضل نظر موكول إلى ذوي النباهة في العلوم الشرعية، والأخذ في الاتصافات السلوكية".
من الذي يعرفها؟ السالك الذي عاشها. هذه قضايا نفسية، كيف تريد أن تعرفها؟ لا بد أن تعيشها."من ذاق عرف": هذه كلمة صوفية صحيحة، هذه لا تعابون على استخدامها، لا تستخدموها فقط عند الطبخ! نعم، نقرأ المرتبة الثالثة.
"والمرتبة الثالثة: الذين صار لهم العلم وصفا من الأوصاف الثابتة، بمثابة الأمور البديهية في المعقولات الأول، أو تقاربها، ولا ينظر إلى طريق حصولها؛ فإن ذلك لا يحتاج إليه، فهؤلاء لا يخليهم العلم وأهواءهم إذا تبين لهم الحق، بل يرجعون إليه رجوعهم إلى دواعيهم البشرية، وأوصافهم الخلقية، وهذه المرتبة هي المترجم لها"
"هي المترجم لها"، يعني كأنه يقول: أريد أن أقول لكم أن كتابي لهؤلاء؛ لأنه إذا دخلنا في النقاش العقلي تكون مشاكل، والناس يخالفوننا ولا يرضون كتابي، لكن الذي عاش هذه المرتبة يُحس أن هذا الكلام متوافق مع نفسه.
عرفنا الآن ما هي المرتبة الأولى والثانية، وعرفنا ما هي المرتبة الثالثة، وهو أن يصبح العلم حركة نفْس، صفة نفس، فعل نفس.
طيب، هو قد يخالفها لكنه حين يعود إلى الصواب، إنما شأنه شأن العائد إلى ما تحبه نفسه، قد يقع منه خطأ في شيء، الإنسان ليس معصوما، قد يقع، ولكنه حين يعود إلى العِلم إنما يعود لا على جهة أنه معقول، ولكن على جهة فطرته مما أحبه، على جهة نفسه مما تلاءمت مع الحق.
وهل من ممكن أن الواحد يذهب للشيء وهو يعرف أنه غلط؟ طبعا، يقع كثيرا، ألم تأكل يومًا أكلا لا تحبه، ثم ندمت أنك أكلته وأنت تعلم؟ دعيت لطعام مثلا، وقلت: والله ما بحبه، بس شو بدنا