إذن:"بل هو المقيد لصاحبه بمقتضاه، الحامل له على قوانينه، طوعًا أو كرها"، هذا السؤال: كيف يحمل العلم صاحبه طوعًا؟ هذه مفهومة، ولكن كيف يحمله كرهًا؟ لأن العاقل لا ينظر إلى ما تحبه نفسه وما تكرهه، العاقل لا ينظر لنفسه تحبه أو لا تحبه، ولكن ينظر إلى المآل؛ فقد يكون العمل الذي يؤدي إلى المآل الصالح مما تكرهه النفس فيفعله المرء كرهًا، هل له أجر في ذلك؟ أعظم الأجر. واختلف علماؤنا، كما ذكر هذا ابن القيم في (طريق الهجرتين) ، واختلف علماؤنا فيمن يأتي الفعل على جهة المحبة له أو على جهة الكراهة له، من هو أعظم أجرًا؟ يعني أنت تقوم تصلي ونفسك تحب هذا أو أنك تجبر نفسك على أن تقوم تصلي، ما هو الأفضل فيهما؟ وعلى طريقة شيخه ابن تيمية -هذه تعلمها ابن القيم من شيخه واعترف بها-، أن الشيخ كان إذا جاء إلى ما يظهر في كلام الناس من التعارض، ماذا يفعل؟ ماذا سمينها في الدرس الفائت؟ سميناها"انفكاك الجهة"، هذه لازم تستحضرها، ألَّا تجعل التصادم كليا، اجعل التصادم جزئيا فتوفق بينهما، فقد يكون لأحدهم، لا بد من حصولهما في النفس أولًا، فلا يمكن لنفس أن يحصل فيها محبة الخير كله، هذا واحد.
ثانيًا: لا يمكن أن تصبح النفس مُحبة للفعل حتى تكون قد مرت على جهة الكراهة له؛ ولذلك أن تفعل الخير على جهة الكراهة هذا أجر عظيم، وأن تفعله على جهة المحبة له هذه أيضًا لها أجر عظيم، هذه لها أجر وهذه لها أجر، والمرتبة الأولى هي مرتبة السالكين -كما يقول الصوفية-، والمرتبة الثانية هي مرتبة الواصلين -أي يقوم بالأمر على جهة المحبة عنده-، وهذه تحتاج إلى جهاد:"جاهدت نفسي أربعين سنة على أن أحملها على ركعتين فلم تطب نفسي بهما"، يعني نفسه تقول له وهي محبة: قم صل ركعتين، هذا لا يوجد، أربعين سنة وهو يصلي هذا الصالح، فلم تطب له نفسه بأن تقول له: قم صل ركعتين، وهو مرتاح ومحب للركعتين، لا بد أن يجاهد، واضح؟ ولذلك العلم، لماذا العلم؟ لأنه يُعرف الحق ويُعرف المآل، هذا الصواب، عليك أن تفعله غصبا عنك، وهذا مآله حق يجب أن تفعله، مثل الدواء، ولا نقول الشريعة فقط مثل الدواء، لا نقول هذا، ولكننا نقول هي أعظم من الدواء، واضح؟ لأنها ليست علاجا ولكنها فوق العلاج غذاء، الشريعة فوق أن تكون دواءً هي غذاء، وقد يكون الدواء ليس فيه الغذاء وقد يكون الغذاء ليه فيه الدواء، والشريعة جامعة للأمرين: الغذاء والدواء.