"وإن كان غير خادم له؛ فالقصد إليه ابتداء غير صحيح، كتعلمه رياء، أو ليماري به السفهاء، أو يباهي به العلماء، أو يستميل به قلوب العباد، أو لينال من دنياهم، أو ما أشبه ذلك؛ فإن مثل هذا إذا لاح له شيء مما طلب زهد في التعلم، ورغب في التقدم، وصعب عليه إحكام ما ابتدأ فيه"،
والله هذه من أعجب ما يخطر على البال من ملاحظاته، لكنه رجل يلاحظ نفسه ويلاحظ الآخرين، هذا الرجل، هذه كلمة رجل عانى، ولا يمكن أن تُدرَك من الآخرين، هذه الكلمة تُدرك من النفس، وأن يدركها المرء من نفسه ثم يصلحها هذه درجة عظيمة، وهكذا هو الشاطبي -رحمه الله-، والشاطبي في كتابه، بدناش نقول صوفي كما يقول ... ، هو رجل تزكية، ولذلك تجدون في كلامه -كما سياتي- أنه يناقش مفاهيم العُبّاد، ليس فقط مفاهيم الفقهاء، وخاصة الغزالي، لأن الغزالي في كتابه (الإحياء) هو أول من مزج الفقه بالتصوف -نقول:"بالتصوف"، لا بأس- لان له الكثير من مسالكهم، ولكنه على طريقة الشاطبي، مزج الكثير من الفقه بالتعبد، والشاطبي هنا في كتابه -كما سنرى- مزج الكثير من أصول الفقه بمفاهيم المتعبدين والمتزكين واضح؟ واضح الكلام هذا؟ ولذلك ماذا يريد أن يقول الشاطبي؟ يقول أن مَن طلب العلم لغير مقاصده النهائية أو طلب العلم لمقاصده التبعية التي لا توصل إلى المقصود الأصلي، فإن نهايته ألا يكمل الطريق، هذا الكلام واضح؟ فإن نهايته ألا يكمل الطريق. لماذا؟ في الحقيقة لماذا؟
الأمر الأول لعزة هذا العلم، القاعدة التي قلناها:"العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل"، هذا مو شغلي، ... ، فعزة العلم ألا تأتي إلا على سبيل الإخلاص، هذه نقطة.
النقطة الثانية، لأن المشقة التي يجدها المرء في العلم لا يمكن أن يُسَليها ولا يمكن أن يرطب قسوتها وشقاوتها إلا رجاء الدار الآخرة، واضح هذا؟ فهنا إذًا العلم، أولا كان يفكرها شغلة بسيطة، بعدين يدور له شغلة ثانية، نعم، أو أنه يقف ويكذب على الناس، يتعلم كيف الكلام، ويتعلم لفظتين أو ثلاثة، يعرف كيف يخربش وكيف يكتب وكيف يروح على الكمبيوتر ويطلع حديث ويخرجه ويبيع كتب ويقف هنا، حينئذ يأكل خبز ويصير شيخ، ولكنه لم يصل إلى المقاصد، لا المقاصد التبعية ولا المقاصد الأصلية.