أعود وأقول أن المقدمة الأولى في أن تكون فقيهًا في النوازل عالِما بالشريعة تقوم على قضيتين: أولًا، ما يتعلق بالنص، ما هو الذي يتعلق بالنص؟ هو ما يسمى بانفكاك الجهة، ما هو انفكاك الجهة؟ إذا جاءت النصوص وقد بدا فيها التعارض، كلمة"انفكاك الجهة"هذه يقولها المناطقة، وكنت أخاف أن أتكلم بها فيسألني سائل يقول: أنت من أين أتيت بها؟ فأحيله إلى كتب المناطقة، ثم اُنقذتُ بأن وجدتها في كتاب من كتب الحنفية فارتحت، اه يا مشايخ، فمرات لا تسألوا، بتفضحونا من أين جئت بها؟ وهي في الحقيقة من أجمل ما وجدته من تركيب العبارة:"انفكاك الجهة"، هذه اختص بها علماء الحنفية، وهي في الأصل كلمة للمناطقة في قضية درء الاعتراض على الأدلة، واضح شو معناها؟ شو انفكاك الجهة؟ هناك قضيتان عقليتان أو شرعيتان يبدو منهما التعارض، ماذا تفعل؟ ماذا تفعل إذا كان هناك سهم مُتوجِّه إلى سهم وبينهما التعارض؟ ماذا تفعل؟ حرِّكْ الأسهم إلى جهات مختلفة: فكاك الجهة، إلى جهات مختلفة، وهكذا النصوص، إذا جاءت وبدت متعارضة، ماذا تفعل؟ فُكها، أرسِل هذه إلى جهة، وأرسل هذه إلى جهة، يذهب التعارض، وهذا مما أكرره وقاله المتنبي:"هذا حال وهذا حال"، هذا موضع وهذا موضع، ما فيه اعتراض، هذا واحد.
النقطة الثانية، وأرجو أن نوقف يومًا من الأيام لكن حتى ننتهي من مقدمات درس الشاطبي في (الموافقات) ونفرُغ لدرس أو درسين في هذه المسألة، لأن عامة الشر في هذا العالم منذ الخوارج إلى يومنا يقوم على هذه المسألة، وهي"علاقة الأحكام بالأسماء". إذن، النقطة الأولى من المقدمة الاولى: انفكاك الجهة، إذا بدا التعارض نَحلُّه، النقطة الثانية من المقدمة الأولى: كيف تفهم الأسماء الشرعية وكيف تفهم الأحكام الشرعية، والأحكام معلقة كما تعلمون على الأسماء، أليس كذلك؟ الأحكام معلقة على الأسماء، -آسف بدها درس، اليوم أنا أشرح وأعطي فقط عناوينا-، أقول: النقطة الثانية من المقدمة الأولى هي علاقة الأسماء بالأحكام، والأسماء إما أن تكون لأفعال أو معاني. الأحكام فرغنا منها فيما تقدم من انفكاك الجهة، أعود إذًا، لأن المقدمة الثانية التي يبنى عليها الفقه كله، وهي علاقة الأسماء بالأحكام، والأسماء إما أن تكون لأفعال وإما أن تكون لمعاني، والأسماء إما أن تأتي كلية أو جزئية، وعلى ضوء ورود الأسماء كلية أو جزئية تأتي