في الدرس الفائت قلنا أن الشرائع لها مقاصد أصلية ومقاصد تبعية، لما نتحدث فعلينا أن نستحضر هذا، وفي مرات نحن نستخدم المقاصد التبعية لأسباب، ولكن هذا لا يُلغي المقاصد الأصلية، وحين نتكلم عن المقاصد الأصلية لا يجوز لنا أن نتَّهم من يتحدث عن المقاصد التبعية بالغلط، وأنا أعني مسألة الجهاد هنا مثلا، ومسألة الأحكام الشرعية، فحين يأتي متحدث ليقول: لماذا تجاهدون؟ يقول: هؤلاء أخذوا بلادنا، هؤلاء انتهكوا أعراضنا، هؤلاء كذا، فهذه مقاصد تبعية، ولكنها أصلية في بعض المواقف، كدفع الصائل، في دفع الصائل المسلم هي مقاصد أصلية في دفعه، وهي مقاصد تبعية في قتال الطلب، واضح؟ فحين يأتي يقول:"انظر إلى هذا الشيخ يتحدث وكأننا نقاتل الكفار ليس لكفرِهم"، وهذا كله من الجهل، أو حين يأتي يقول:"نحن لا نقاتل إلا من عادانا"، هذا كذلك جهل، واضح؟ فهذا وهذا غلط؛ فعلى طالب العلم أن ينتبه لأننا ابتُلينا في هذا الزمان بالجهلة، يعرف الكلمة ولا يعرف كيف يضعها، هذا هو الجهل اليوم، ولذلك إذا كثر جهل المرء أو قل علم المرء كثر اعتراضه، هذه قاعدة: إذا قل علم المرء كثر اعتراضه، لأنه جاهل لا يعرف المسائل، لا يعرف الأصول، إلى غير ذلك.
ولذلك صدرت كلمة الشيخ في نهايتها، أنا لا أريد أن أعلق لا تصحيحًا ولا تضعيفًا لما تقدم من الأحاديث، هذه يعاد فيها إلى مصادر التخريج وهي بيّنة وكثيرة، وهذا العلم اليوم هو الذي يأكل به الناس الخبز! أما التعليق على معانيها فهي كثيرة جدًا، أتركها لأننا لو وقفنا عند كل حديث ليتغير مسار الكلام.
ولذلك يقول الشيخ الشاطبي في نهاية الحديث:"وكل ذلك يحقق أن العلم وسيلة من الوسائل"، وسيلة لماذا؟ ما هو المقصد؟ المقصد الأصلي ما هو؟ عبادة الله. لأنه وسيلة، ولكن هذا مقصد أولي ومقصد أصلي، ومقصد تبعي أنه وسيلة للعمل الصحيح، إذا أراد المرء أن يقوم بعمل صحيح لا بد له من العلم.
"فلا يقال: إن العلم قد ثبت في الشريعة فضله، وإن منازل العلماء فوق منازل الشهداء، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن مرتبة العلماء تلي مرتبة الأنبياء، وإذا كان كذلك، وكان الدليل الدال"