فهرس الكتاب

الصفحة 386 من 809

لأن بعض الناس الآن يقولون: الربوبية يعني أمر انتهينا منه، والمهم الإلهية، فكأنهم أسقطوا ذكرَ ومحاسنَ الربوبية، ما هو أجمل شيء في القرآن؟ هو مدح الرب لذاته. وما نشأ القرآن إلا لهذا -نشأ على معنى تكلم الله بعد أن لم يكن متكلمًا فيه، كقوله: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ} ، ليس أنشأ بمعنى خلق، حتى لا يقف عندنا أحد ويقول أنه يقول بخلق القرآن-، ما تكلم الله كلامه إلا من أجل أن يُظهر نفسه، يتكلم عن ذاته، وهذا هو أجمل المدح، فأجمل المدح هو ما ذكره الله في كتابه، وهذا من إدراك الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-، من فقههم. أي آية في كتاب الله أعظم؟ أين ذهب هذا الصحابي؟ سأله عن سورة، ربما أجابه بالفاتحة، ربما أجابه ب: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، لكن لما سأله عن أي آية في كتاب الله، ماذا فهم؟ أي آية في كتاب الله أعظم؟ من أين فهم الصحابة أن آية الكرسي هي أعظم آية؟ لأنها الآية التي ذُكر فيها عشر صفات لربنا كما قال علماؤنا، هذا في تفسير ابن كثير، لما قارن بين هذه الآية من سورة البقرة، وبين آية ربنا في سورة الشورى، وقال: هنا ذكر عشر أوامر وخصال، وفي آية الكرسي ذكر عشر خصال، واضح الكلام؟ فلماذا؟ -هنا السؤال، نرجع إلى ما نحن فيه-، لماذا فهم الصحابي أن أعظم آية هي هذه؟ لماذا؟ لأن القرآن إنما سيق من أجل أن يعرفنا بصفات الرب، فهذه الآية اختصت بصفات الله -عز وجل-، هذا فقه الصحابة، وهذا هو فقه الفقه، وهو منتهى الطلب، ومن لم يفقهه لم يفقه شيئا.

فالفقه الأول إنما هو وسيلة، يعرف أحكام، لكن لا يعرف هذه الأحكام لمن، ولماذا تصرف، ولماذا يطبقها المرء من تعظيم الله، فهذا لم يصل لشيء، هذا مسكين، هذا محجوب، محجوب بالرسوب.

القصد أن القرآن فيه دليل الإيجاد ودليل الإمداد، الإيجاد إيجاد الخلق من العدم، والإمداد هو رزقه، وكنا نقول -هذه لا بأس منها-، كنا نقول أن ترديد البعض أن توحيد الربوبية ليس بشيء إنما أقيم من أجل توحيد الإلهية، كلام ينبغي أن يعاد النظر فيه، لأنه أدى سلوكيًا وعمليًا من هؤلاء القوم إلى عدم تعظيم الرب، فإن تعظيم الله لا يُنشئه إلا الربوبية، إلا فقه المرء بالربوبية.

ولذلك هذا القرآن، وهذه طريقة بناء القرآن، هذه قضية أخرى لا أريد أن أعرج عليها، وإنما ذكرتها لمن أراد أن يتوسع فليرجع إلى تفسير سورة الإسراء عندما رددت على قول من قال في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت