فالقول بأن القرآن ليس فيه إلا خطاب الجمهور قولٌ قاصر، هذا نبهنا عليه لئلا نصل إلى ما قاله المتكلمون، هذا نبهنا عليه، وقلنا بأن القرآن شاملٌ لكل أنواع الخطاب الملائم لمراتب العقل ومراتب الناس، يملؤها، لأن فيه من الآيات على ما مثله آمن البشر، فالبشر جميعًا باختلاف مراتبهم في الإدراك، في قوة النظر.
يقول:"ما كانت مقدمات الدليل فيه ضرورية"
الدليل عندهم مقدمات ووسط وخاتمة، هكذا يقولون، لا بد من مقدمة ووسط وخاتمة، وهذا دائمًا تَفَكَّر فيه، وقد يكون ذكر الوسط عبثًا، وهذه مما شدد عليها شيخ الإسلام -رحمة الله عليه- في (الرد على المنطقيين) ، على أن إصرار المتكلمين على ذكر الحد الوسط من أجل إنتاج النتيجة غير ضروري. كيف؟
هم يقولون:"كل مسكر خمر، وكل خمر حرام، فكل مسكر حرام"، الحديث أعفانا من الوسط، وقال: (كل مسكر حرام) ، عفانا من الوسط، فلا ضرورة لأن نقول وكل مسكر خمر، أو أن نقول كل خمر حرام، هو يصل إليك، فالقرآن يصل إليك من غير التطويل. وهذا شأن عظيم في القرآن يستخدمه علماؤنا، في أن حضور المعنى في الذهن ذِكره في الكتاب تطويلٌ لا ضرورة له، هذه القاعدة انتبه لها:"إن حضور المعنى في الذهن ذكرُه في الكتاب تطويلٌ لا ضرورة له"، هذا من باب التطويل، باب استطراد لا أهمية له.
هناك أمثلة كثيرة في القرآن جاء ذكر الضمير لشيء لم يتقدم ذكره في الكتاب، وإنما يعود هذا الضمير إلى شيء ضروري أنه يعود إلى الشيء الذي في ذهن المرء، واضح الكلام؟ فلما جاء: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} ، أنا ضربت مثالا بعيدا في الفقه، ولكن لتعلموا أنه ليس مهمتنا أن نقرأها قراءة لغوية فقط، ولكن أن نقرأها قراءة فقهية، {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} ايش؟ {أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} ، الشافعي جاء قال: ما المقصود ب: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} ؟ فقال الشافعي منفردًا إعمالًا لهذه القاعدة أن المخاطَب حاضر في الذهن، وهو الولي، المفسرون جاؤوا إلى سياق الآيات فلم يجدوا ذكرًا للولي، إنما الخطاب كله يدور حول الزوج وزوجته، فأين