إذن، الأصول الفقهية تقوي لديك ملكة العقل، العقل هذا تُثَوِّرُه، تُثور معانيه الفطرية أولًا وإن أدخلت عليه شيئًا من العلوم الصناعية كانت مضبوطة ولذلك، صحيح أنه كان أكثر من كتب في الأصول المتكلمون، لكن كذلك صحيح أنه كان أكثر من وقف أمام الزنادقة المتكلمون.
أترون المعادلة؟ المعادلة أنه صحيح كان أكثر من كتب في علوم الأصول هم المتكلمون لكن كذلك عليك أن تعترف أن أول سدٍّ كان يقف أمام الزنادقة هم المتكلمون، إذن هذا العلم يقوي لديك الملكة العقلية المطلقة.
المسألة الثالثة من فوائد هذا العلم هو أنه يقرب المعاني لتتحد في أذهان المجتهدين، هذه المسألة في الحقيقة والوقت ضاق لكنها مسألة مهمة، وأنا لا أريد أن أطول في المقدمات حتى ندخل في الكتاب ولكنها مقدمات مهمة.
انتشر عند المتأخرين -وصارت للأسف كأنها مقررة- بأنه ما من مسألة فقهية إلا وفيها خلاف، وكأن النص جاء من أجل الخلاف، وهذا غير صحيح.
كما أنه لما جاء شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، ولأن شيخ الإسلام لو قيل أين تخصصه لقيل مفسر -يعنى أين عرف في عصره؟ بالتفسير- ففي مقدمة التفسير، ماذا أراد أن يقول؟ هو الذي علم الناس وجود خلاف النوع وخلاف التضاد، ونفس القضية في الفقه لأنه في الحقيقة الفقه ليس اهتمامه كالتفسير، لذلك هو في مسائل الفقه في مذاهب الفقهاء لم يأخذها من مشايخها، إنما أخذها من كتبهم، من أين أخذ مذهب الشافعي؟ من كتب الشافعية ومن أين أخذ مذهب الأحناف؟ من كتب الأحناف.
وأصحاب المذاهب يرصدون العلماء من خارج مدرستهم، من أين يأخذون؟ من أي الكتب؟ ما هي مراجعهم؟ وهذا رُصد، رصد لشيخ الإسلام من أين مصادره من مذهب الأحناف؟ من أين كذا .. إلخ، ولكنه باعتباره حنبليًا أصيلًا، نشأ حنبليًّا، فإنه أراد أن يبين هذا الخلاف، هذه له .. وعلى أصحاب المذاهب أن يُعرفونا بهذا، وهذه مهمة من مهماتهم ولا بأس أن أُعيد ما قلته في مجالس متعددة بأن سبب نشر فوضى ترك المذاهب -على غير معنى التقليد- هو أن أصحابها لا يفقهونها، لا يعرفونها، وهذه من المسائل التي إلى الآن لم تُجلى.