تفسيري على ما قاله سبحانه وتعالى: {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} ، يعني هل الجارية يجوز إرسالها من قبل سيدها ومالكها للبغاء إنْ وافقت؟! لا يجوز، وإنما هذا نزل بسبب موافقة الحالة، وهو عبد الله بن أُبيّ يُرسل أمته مكرهة، فجرى هذا الشرط مجرى الغالب، أو مجرى سياق الحدث، وهكذا.
فلذلك كلام أهل العلم يجب أن يُفهم على هذا، وفي حواراتي مع أغلب الطلبة، هذا هو عجزهم. لمّا يأتي شيخ الإسلام يقول:"يفسرون الريب بالشك وليس كذلك"، ارجع إلى كتب التفسير، يقرب إليك، يقول:"الريب أوسع من الشك، فالشك يتعلق بمسائل العلم، والريب يتعلق بالعمل والعلم"، لماذا يقول له هذا؟ لو أراد أن يُفسر هذا اللفظ تفسيرًا على جهة مرادِه من الأمثال، لاحتاج هذا اللفظ إلى صفحة أو صفحتين من كتابه، المفسرون لا يجرون على هذا المعنى.
ولذلك هناك نقطة لا بد أن نفهمها في هذه المسألة، وهو أن ما كثر الكلام فيه عند المتأخرين ليس لكثرة عِلمهم، وأن ما قلَّ حوله الكلام عند المتقدمين إنما هو بسبب علمهم، هم يحدثون، العلماء يعرفون بماذا يحدثون. فالمتأخر ماذا يفعل؟ كما يفعل الشاطبي معنا الآن، وكما يفعل ابن تيمية، هل تجدون هذا الكلام الطويل الكثير، هل تجدونه في كلام الأوائل؟! الأوائل يطلقون اللفظة، ويعرفون ماذا ستُحدث هذه اللفظة من علوم وبِحار من الفهم في نفس متلقيها، لأنها حاضرة في نفسه، نحن لا نفهم ونضطر إلى الإطالة.
ولذلك ما اضطر إليه المتأخرون من التوسع في الكلام، ليس لأن علمهم أعظم من المتقدمين، لا، ولذلك كانوا يقولون: البلاغة هي اللمحة الدالة، هذه البلاغة، ما هي البلاغة؟ قالوا: هي اللمحة أو اللفظة الدالة. لمحةٌ دالة فقط، وهذا يفسرها -يأتي هنا شيء آخر-، يُفسرها قولهم:"البلاغة في الإيجاز"، قالوا: ما البلاغة؟ قالوا: في الإيجاز، قالوا: ما العيب؟ قالوا: ما أنت فيه. اللي انتا تسوي هذا الكلام، الراجل يخربط ويحكي، المسألة بسيطة.
ولذلك أريد منكم فقط -وأرجوا أن تفعلوها-، وهذا كتاب منتشر أظن، ما خلا بيت منه، تزينون به مكاتبكم، لكن حتى تفهموا هذا المنهج، افتحوا كتاب الإمام ابن رجب في شرح (الأربعين النووية) : (جامع العلوم والحكم) ، أنا ذهبت لكتاب ابن عبد البر: (جامع بيان العلم