اللغة لا تفيد إلا هذا، لوجود العوارض التي شرحناها في درس كامل من كلام الشيخ، العوارض التي تعترض البيان في كونه يفيد اليقين، ولذلك هو لا يفيد إلا الظن. وهذا يبعث في النفس الإعراض عن هذا العلم، ولا بد أن ينشغل بما يفيد اليقين، فصار علم الحديث مهجورا، هجره الناس. ولذلك تعجب لما قلنا لكم بأن الجويني الأب لما أراد أن يؤلف كتابًا في الفقه، افتتح كتابه بحديث ضعيف، ونسبه للبخاري ومسلم. إلى هذه الدرجة كان إعراض الفقهاء عن الحديث، وإلى وقت قريب كان الفقيه ينسب الحديث إلى الكتب التي يسمونها غير أصلية.
تعرفون أن كتب الحديث يقسمها العلماء إلى قسمين: كتب أصلية، وهي التي اهتمت بالسند، أي تنسب الحديث بسندها، وكتب تأخذ هذا الحديث وتنسبه إلى الكتب الأصلية. فتجد مثلًا في (نيل الأوطار) : رواه البخاري، فيأتي هذا الفقيه فيكتب كتابًا ويقول: (نيل الأوطار) رواه البخاري، أو ذكره الشوكاني في (نيل الأوطار) ، إلى هذه الدرجة! والسبب هو نفسي كما تقدم من الشرح، هذه ينبغي أن تحضر في أذهاننا.
وهذه القضية هي التي جعلت طلبة العلم اليوم يهجرون علم الأصول، لما يفعله ما يسمى بالسلفية أو غيرها من تحقير هذا العلم، وأنه دخل فيه علم الكلام، و و إلى آخره، فهو علم لا قيمة له، وهكذا. أين هذا العلم؟ أين حضور هذا العلم في عقل مُدعي الاجتهاد وفتح بابه؟ أين هو؟ مهجور.
لماذا؟ لأنهم قالوا عنه ما قالوا، هذه كتب قديمة أُلفت على طرائقهم فهم يعرضون عنها، لماذا يعرضون عنها؟ يعرضون عنها بسبب ما تقدم، وهو أن التحقير هو عنوانها، عنوان النظر إلى هذه الكتب. وهذا جهل عظيم بما تقدم، تكلمنا، لا أريد أن أعيد بأن هذا جهل عظيم وأن الطريق الصحيح هو أنك إذا أردت الاجتهاد حقًا عليك أن تقتل الماضي بحثًا كما يقول الأستاذ عبد السلام، واضح الكلام؟ فهذه قضية مهمة.
نرجع للغزالي، لأن هذه القضية تتعلق بالفلسفة. الغزالي رجل عظيم، لا ينبغي أن تَقبل كل ما يقول، ولا أن ترفض كل ما يقول، وإياك والمقارنة بينه وبين أي عالِم آخر، فإن للواقع سطوته -