فهرس الكتاب

الصفحة 333 من 809

لهذا-، تستطيع أن تلتقط شيئًا من ذاتية المصنف من خلال كتابه، كما رأينا مع الشاطبي في مقدمته، ولكن أن يأتي العالم فيصنف محنته أو قضيته أو مسألته الذاتية تصنيفًا مستقلًا، لا تجد.

الغزالي تكلم بهذا، وألف كتابه الجميل الرائع وهو: (المنقذ من الضلال) . نعم وصل إلى نتيجة ما -هذا شيء آخر، وجد أن طريقة المعرفة هي طريقة الكشف الصوفي، هي الطريقة اليقينية، وذلك كما فسر ابن تيمية، لأن الرجل كان بعيدًا عن الحديث، ثم يقول ابن تيمية -رحمه الله- أن خاتمته كانت البحث عن الحديث، وأنه مات وعلى صدره صحيح البخاري. أنتم تتكلمون عن بيئة غريبة، في غربتها عن علم الحديث، تلك البيئة بعيدة عن علم الحديث.

وأنا هنا لا بد أن أفتح قوسًا، وأن أعلق هامشًا، وهي قضية مهمة، وهو أن العلم -وهذه سنتكلم عنها بتفصيل كافٍ إن شاء الله-، وهو أن مفتاح الإعراض عن العلوم هو احتقارها والطعن في دلالتها على المراد، وهذه الطريقة التي نبه عليها -انتبهوا- الأستاذ محمود شاكر -رحمه الله- في مقدمة كتاب عبد القادر الجرجاني (أساس البلاغة) .

يقول الأستاذ محمود شاكر أن الذي فتح باب الإعراض عن تراثنا هو من بدأ يحتقر هذه الكتب، حتى صاروا يطلقون عليها ماذا؟ الكتب الصفراء، وكذا، إلى آخره. وهذا باب استغله كذلك من جاء بعده، فتجد طه حسين قد جعل الناس يُعرضون عما تقدم، ماذا قال عمر -رضي الله تعالى عنه-؟"عليكم بديوان العرب"، عليكم بشعر العرب. فالشعر هو باب فهم الكتاب والسنة، لكن لما احتقر الشعر، ونوه به أنه لا يدل على ما يعيشه العرب، وأنه منتحل، وأنه مصنوع، إلى غير ذلك، سقطت قيمته، فأعرض الناس عنه.

كذلك الحديث في زمانه، لماذا أعرضوا عنه؟ لِما تقدم من كلام الشاطبي. ماذا تقدم؟ أن الأدلة السمعية أدلة ظنية، لا تفيد اليقين حتى لو ثبتت على جهة اليقين كالكتاب، فإن الدلالة ظنية، لأن اللغة كما يقول الجويني -وأبو المعالي الجويني هو شيخ الغزالي، وهذه ذكرناها سابقًا-، فإنهم كانوا يقولون بأن الأدلة السمعية حتى لو ثبتت على جهة اليقين، فإن دلالتها على المراد ظنية، لأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت