الفلاسفة في كتابه (تهافت الفلاسفة) ، هذا الكتاب هو الذي حَكم المشرق، الغزالي له حضور كبير في المشرق الإسلامي في القرن السادس الهجري، هو توفي سنة خمسمائة وخمسة، يعني في القرن السادس، ولكن حضوره كان في القرن الخامس في نهايته، فهذا الرجل أثر كثيرًا في العالم الإسلامي، وبالفعل، الغزالي يستحق هذه المرتبة.
وأنا لا بأس أن أقف عند هذا الرجل موقفًا يسيرًا، وهو أن مَن تعامل مع الغزالي تعامُل الأخذ المطلق فهو غالط، ومن تعامل مع الغزالي تعاملَ الرفض المطلق فهو غالط، الرجل صاحب عقلٍ عظيم ولا شك، لا يُنكِر هذا إلا جاهل، واقتحام الغزالي للكتب اقتحامُ الرجل الذي يفرض نفسه على الأرض البِكر، ولا يأتي الغزالي أبدًا -هذه من عقله الكبير-، لم يأت الغزالي إلى علم قط على جهة التقليد، لم يأت. هذا من الأمور التي ينبغي أن نفهمها، فكل كتب الغزالي تدخل في عالَم بكورية العلوم، تكلم كلامًا من جهة نفسه، ولو قرأت كتب الغزالي كلها لوجدت شيئًا بيّنًا واضحًا، أنه حين يكتب كتابه، كأنه يدخل غرفةً في بيته لا يوجد فيها إلا القلم والورقة التي يكتب عليها وهو، فقط، يعني لا يكون ناظرا قط إلى الكتب التي حوله ليؤلف ويصنف، لم يكن الغزالي كذلك، الغزالي صاحبُ عقل كبير، حتى وهو يكتب في الأصول، هذا تعرفه حين تمارس الكتابة وتنظر إلى كتب الناس: هل كتب هذه الجملة وهو ينظر إلى كتاب آخر، أو وهو يصيغ جملة في كتاب آخر بصياغته؟ الغزالي ليس من هذا النوع، وهذا شيء ينبغي أن ننتبه له.
الشيء الثاني في الغزالي أنه عاش مِحنة عصره، لماذا ذهبنا إلى الغزالي؟ لا بأس، لأنني وجدت أن الإخوة الذين يستمعون لهذه الأشرطة ينتفعون بالهوامش التي نتكلم عنها في هذه الدروس أكثر مما يتعلمون أو يهتمون بما نشرح به صلب الكتاب، ولا بأس، وهذا من الأمور التي نعيشها.
الغزالي عاش محنة عصره وتقلب فيها، وعصره هو عصر الفتن السياسية والفكرية، هو عصر الصليبين، عصر غلبة الفرق الباطنية، غلب الباطنيون على أهل الإسلام، والفقهاء كان لهم حضور على جهةٍ ما من التأليف والتصنيف وغيره، وعاش هذه الفترة، وقد تحدث الغزالي، وهذا فنٌّ قلَّما كتب فيه العلماء، علماؤنا قلَّما كتبوا عن أنفسهم وما عاشوه، تستطيع أن تلتقط -انتبهوا