فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 809

هذه كلمة ينبغي أن تنتبهوا لها، شرحتها لما تكلمت عن الذين يريدون أن يقارنوا بين سيد وبين ابن تيمية-، الواقع له سطوته. الآن، عالم عظيم كالشاطبي، هل رأينا لواقعه سطوةً عليه؟ رأينا، رأينا للواقع سطوة على العالِم. والخروج من الواقع يحتاج إلى سياسة، ويحتاج إلى شجاعة، ويحتاج إلى بصيرة. الخروج، كما قال الغزالي نفسه في مقدمة كتاب (المستصفى) :"والفطام شديد"، وهذا تكلمنا عنه لما ذكرنا ابن قدامة إلى آخره؛ ولذلك لا ينبغي أن نُحاكم العالِم إلا من خلال بيئته، وعلينا ونحن في هذا الوقت، في هذا الزمان، أن نقرأ التاريخ، وأن نقرأ علماءه، وأن نعرف الحق، وهذا يجعلنا ننصف.

اليوم، في هذا الزمان، هناك فائدة عظيمة، حتى أن هذه الفائدة لم يعشها من عاش قبلنا، فقط الجيل الذي سبقنا، يعني لو سألت هذا الجيل الذي سبق هذا العمر الذي أعيش فيه الآن، لقلت لك أن هذه الفائدة لم تكن موجودة، وهي أنهم تعاملوا مع تراثنا بما استقر عليه وما قاله المتأخرون، وأما اليوم فهذه المخطوطات للكتب القديمة منثورة بين الناس، لا يضر أن تقول:"ابن تيمية"اليوم، ارجع، ارفع، ارفع النسبة، اليوم الكل مطبوع، تعرف ماذا يقوله الطبري، له كتاب، تريد أن تعرف؟ ارفع النسبة، صِل، لا تقل: قال فلان، قل: قال الشافعي، ارفع النسبة. لا تقل: الشافعي بعد ذلك، ارفع النسبة، قل ما قاله يحي بن سعيد القطان، ارفع النسبة، وهكذا.

اليوم هذه المخطوطات التي انتشرت بين الناس، تُحصِّل لديك هذه المرتبة، وهي أن ترفع نسبة العلم، حينها تقوى حجتك، ويزيد اطمئنان قلبك. إذًا إذا جئت إلى علم العقائد، هو يقول: قال الباقلاني، أنت تجابهه تقول: قال ابن تيمية، هذا لا ينفع، ارفع النسبة. ولذلك قال الشيخ أبو إسحاق الشاطبي كلمةً عظيمة، ليتنا نقرؤها، حقيقة هي من مهمات المقدمات في قراءة الكتب ونسبة العلوم، قالها في (الاعتصام) -وهذا رجل عظيم، وحقيقة هذا رجل أي عقل عنده! هذا الرجل أبو إسحاق هو من قماشة الكبار، هذا العالم من قماشة العلماء الكبار-، قال بأن الكتب لا تصلح لأخذ العلم إلا مع عالِم، وقال كلمة توافقها على هذا المعنى -وإن كان هذا الكلام عليه احتراز ويحتاج إلى تعليق كبير-، وقال بأن المرء لا ينبغي أن يتعامل مع المتأخِّر، إنما التعامل مع المتقدم. وهذه قواعد قررها، وهو له هذا الفن، وهو أنه يقدم لكتبه بمقدمات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت