من خمسين سنة في الجامعة- ليُدرسَ شيئًا من العلوم من أصول الفقه إلا ويقدم أن يقرأ له، قراءته كالطالب، يقرأ قبل أن يدخل الدرس الذي يُدرس فيه، هذا من أمانة حمل العلم.
الآن نأتي إلى ما هي فوائد قراءة كتب الأصول؟ ما هي فوائد تعلمنا لأصول الفقه؟ ذكرنا إجمالًا في الدرس الفائت قلنا:
أولًا: تنمية ملكة الاستنباط، لماذا؟ لأن أصول الفقه -وقد تكلمنا في الدرس السابق على أن هناك فرقًا شديدًا بين أن تكون عالمًا بمصطلحات الفن وبين أن تكون عندك الدربة على استعمالها ومثَّلنا لذلك-.
فإذن، قراءة أصول الفقه تُنمي لديك ملكة الاستنباط، هذه لها فوائد:
أولها: أنها تجعلك -أقل ما يمكن- أرقى من المقلد؛ لأن المقلِّد هو العامي الذي لا يدخل بالإجماع -كما قال أبو عمر بن عبد البر في (جامع بيان العلم من فضله) وذكرها الخطيب في (الفقيه والمتفقه) وذكرها ابن القيم في (إعلام الموقعين) - أن المقلد لا يُعد من أهل العلم.
إذن، إذا أردت أن تكون طالبًا للعلم فلا بد أن تخرج من هذا عن طريق تعلمك للأدوات التي تمكنك من الذهاب إلى الكتاب والسنة من أجل أن تعرف دلالة هذا الكلام الشريف وكلام الله وكلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على المطلوب منك، لا بد أن تتعلم.
هذه النقطة تؤدي بنا إلى نقطة أخرى: أن أصول الفقه هي التي تضبط سوق الفتوى الجاهلة التي انتشرت.
نحن الآن أمام سُعار، أمام هيجان، حقيقة كأن الناس -هؤلاء الذين يتكلمون الآن بالفتوى إلا من رحم ربي ممن يزعم بأنه يستطيع أن يأتي بالأشياء الجديدة- كأننا أمام {حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} ، ليس لها ضابط تطلق الفتاوى من غير عنان، تطلق الفتوى من غير وجود قواعدٍ تستند إليها.