الناس، ليتميز الناس بين عالم وبين جاهل، لو أن العلوم مبذولة على جهة واحدة على ظهر الأرض يلتقطها كل من سعى إليها بغير جهد، لما افترق البليد عن الذكي، ولما افترق الساعي بجهده عن الكسول، ولما افترق المهدي عن المحجوب، صحيح؟ كل هذا بيِّن، ولذلك كلمة عمر -رضي الله عنه- نبه العلماء عليها أنها ليست على جهة التسليم لما يقوله أبو بكر، ولكن على جهة الاعتضاد والاطمئنان. فقال، هذه كلمة عظيمة، كلمة عظيمة في كتاب ربنا لما قال الله لإمام الحنفاء وأب الأنبياء (والدهم) ، قال له: {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ} ، ماذا قال؟ {قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} ، فدل على أن الاطمئنان مرتبة أعلى من مرتبة الإيمان لماذا؟ هذه تحتاج إلى شرح (وقفة) ، لجمالها وعظمتها وأننا نحتاج إليها، بما يحصل الاطمئنان؟ وبما يحصل ضده؟ هناك إيمان مبتلى، فهذا إيمان عظيم، وإيمان المجاهد، فهذا إيمان عظيم. الإيمان مبتلى، مبتلى بماذا؟ مبتلى بالشبهات، بمبتلى بالشهوات، تأتي إليه فتغزوه، ويضطرب هذا الإيمان، يصارع يصارع، فهذه مرتبة عظيمة، وهذه مرتبة رسولنا -صلى الله عليه وسلم- مقابل عمر. لما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما سلكت يا عمر فجًا إلا سلك الشيطان فجًا غيره) ، طيب لماذا الشيطان لا يفعل هذا مع النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ بل إن الشيطان لما قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي من الليل، نزل من الوادي هاجرًا غضبًا يحمل مشاعل من نار ليحرق رسول الله، لماذا لا يهرب منه كما يهرب من عمر؟ هل مرتبة الفاروق أعلى من مرتبة النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ ذلك لأن مرتبة النبي -صلى الله عليه وسلم- مرتبة الجهاد فيه، ولذلك إذا جاهدت حتى الجبان يجرؤ، إذا قاتلت حتى الجبان، القطة إذا دخلت بيتك، ماذا تفعل؟ تهجم عليك، والجبان ربما ينسى جبنه لحظة الابتلاء، ولذلك الشيطان بسبب الغيظ الذي في قلبه نسي جبنه أمام الإمام، واضح؟ يعني الأذان يحرقه، لكنه قد يشتد غيظه فيهجم على الرجل، وهكذا، إذا اشتد غيظه. فلما اشتد غيظ الشيطان لنور النبي -صلى الله عليه وسلم- هاجمه، نسي نفسه، لكن هو لم يصل هذه الدرجة مع عمر، لا يصل لهذه الدرجة مع عمر، وغيظه من عمر ليس كغيظه من الرسول -عليه الصلاة والسلام-، وهو غيظ عقلاني، إن جازت تسميته هكذا، غيظ يمكن أن يعرف ماذا يفعل، لكن في غيظه من النبي -صلى الله عليه وسلم- نسي نفسه، ولذلك هاجم النبي -صلى الله عليه وسلم- لشدة غيظه، لشدة غيظه فأخذه، النتيجة أخذه الرسول -صلى الله عليه وسلم-، أخذه من عنقه وجعله ذليلًا وربطه في المسجد.