محبوس عن نور بالهداية، رجل ينظر إلى الحرام محبوس عن نور التوفيق، واضح الكلام؟ رجل لا يُصلح بينه وبين الله، الله يمنع عنه النور. هذا نور خاص، وهذا النور الذي كان علماؤنا يستمدون منه الخير، هذا النور هو الذي وقر في قلب البخاري، وهو يكتب كل حديث فيستخير الله فيه، فيستقر في قلبه، واضح الكلام؟ هذا نور آخر الناس في غفلة عنه، وهذا هو الذي يسمى بالفرقان كما أراد الشيخ هنا، وهو فرقان التقوى، الفرقان هو الذي يفرق بين الحق والباطل، وكلما ازداد المرء نورًا ازداد فرقانه. لو دخلت هذا البيت وهو مظلم، لا تفرق بين الحية والعصى، هذا الكلام هل له مقدمات؟ نعم، هته المقدمات هي أعظم مقدماته، ولا يصلح إلا أن يكون الرجل عالمًا، لأنه لو وُضع له النور ولا يعرف الأشياء وأسماءها، ولا يعرف تمييزها، فحتى لو وُجد النور يحمل العصى وتكون حية، وهو لا يعرف، كما يفعل الطفل الصغير.
وهذا لا يحصل بمجرد القراءة، ولا بمجرد البحث، هذا يحصل بالإخبات والطاعة والاستغاثة. هذا الذي كان يفعله أئمتنا حين يُحبسون عن بعض الفهم، فيلتجؤون إلى الله ليفتح عليهم، هذا الذي قاله ابن القيم في (مدارج السالكين) ، عن شيخه ابن تيمية أنه إذا أعيته مسألة.
نحن هل هناك مسألة تعيينا اليوم يا مشايخ؟ الأمور واضحة الحمد لله، نحن اليوم كل المسائل عندنا بينة، حتى أننا نعلم إيمان الرجل وكفره من قلبه ليس من لسانه، نحن كل شيء مكشوف عندنا، نحن عندنا كل العلوم بينة، لكن هذا رجل مسكين، اسمه ابن تيمية، فكان إذا أعيته مسألة ذهب إلى مسجد مهجور -يقول ابن القيم- فسجد لله طويلا يقول:"يا معلم إبراهيم علمني يا مفهم سليمان فهمني"، فلا يرفع رأسه حتى يفتح عليه. هذا شأن هذا الدين، هذا دين رباني، علاقة مع الله، ليست الواسطة بينك وبين الله فقط الحرف ولا الكلمة، فيما تعلم ماذا يحب الله وماذا يكره، الواسطة بينك وبين الله -بعد أن تعلم كلمته وكلمة رسوله-، هي واسطة خفية بينك وبين الله.
هل هذا من الجدل؟ هل هذا من العلم؟ الجواب: من العلم، لكن هل خارج عما نحن فيه من الكلام؟ الجواب: نعم، هذا الذي أريد أن أقف عليه. ولذلك هذه كلمة رائعة من الشيخ، طبعًا هذا كلام صوفي يا إخوان، كل هذا صوفي. واليوم لن نطيل كثيرًا لأسباب، ولكن إن شاء الله نحاول أن ننهي المسائل، أرجوا أن نمشي، ولو وقفنا هكذا سيطول الأمر.