يقول شيئا، أمر ليس له أي علاقة بما سيحدث بعد ذلك، ما الذي حدث بعد ذلك؟ أن وقفت دابة، فعلِم الحق بما؟ بأمر آخر، علم الحق بأمر آخر لا علاقة له بالعلم المبحوث، ولا علاقة له بالمسألة الموضوعة، واضح يا مشايخ؟ إنما ذهب إلى أمر آخر، قال: (اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة) ، وما دخلها؟ وهكذا. فلو قال قائل: ما أمر الدعاء؟ لماذا تذهب للدعاء؟ نقول لأنه من سبل العِلم التي يحصل بها اليقين في القلب، واضح؟
هذه الكلمة مهمة منه، وهو قوله -رحمه الله-:"أو بأمر خارج عن ذلك العلم، ناشئ عن فرقان التقوى". في سورة الأنفال يا مشايخ، سياقات متعددة، في: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} ، هذه واحدة، تقدمت، والعجب أن يبدأ بها. ثم جاء بعدها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} ، انظر، موقف عملي، موقف طاعة وإخبات: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} ، هذه الثالثة، رابعًا: {أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ، بما خُتمت؟ هذه النداءات الربانية للمؤمنين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ} ، كل تلك أوامر، هذه خاتمة الوعد، هذه الأوامر: لا تفروا، استجيبوا، أطيعوا، لا تخونوا، بعد أن ذكر الله الفضائل والمكارم من الدنيا، قال: {لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ، ثم جاءت المَكرُمة في النهاية، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ} ، هذا متى تتقي الله؟ بالأوامر التي تقدمت. ماذا كانت النتيجة والعاقبة؟ {يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} ، فوجود الفرقان في القلب للتفريق بين الحق والباطل، هذا هو شأن أهل الدين وأهل العلم. العالِم لا يرد عوادي البدع بما علِم في عقله فقط، لا، العالم -خذوها مني-، العالِم يرد عوادي البدع والضلالات بما وقر في قلبه أكثر مما وقر في عقله، مرات حتى تكون هذه لا يعرفها إلا لمحًا بهذه البدع، قد يقول هذه صوفية جديدة يا شيخ، ماذا نريد؟ هذه صوفية، هذا دين، وهذا تقوى.
وهكذا كان الصحابة يفهمون، حتى قال عمر -رضي الله تعالى عنه-:"فما رأيت حتى هدى الله قلب أبي بكر فعلمت أنه الحق"، هذه مراتب فوق ما يريد البعض أن يحصر الأمر في الكلام واللفظ وما يقول، وحسب ما يغلب المرء في مناظرته، شيء وقر في قلبه، شيء استقر في قلبه، شيء وجدته في نفسي، هذا لا ينفع إلا -شرطه-، لا ينفع إلا {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ} ، رجل يأكل الحرام