إذًا هو يريد أن يقول، وقلنا أن الأدلة ثلاثة: استشهاد، واعتضاد ورد اعتراض. الآن هو في مقام رد الاعتراض، أليس كذلك؟ بلى، هو في رد الاعتراض الآن، في رد الاعتراض يوسع باب الأدلة لهذا العلم، وهو رد الاعتراض، فإن المناطقة والمتكلمين لو قيل لهم: ماذا هو السبيل لرد الاعتراض؟ لقالوا هو العلم، هو الكلام، أن تتكلم بالجدل، يأتي بالأدلة ترد عليه بالأدلة وغير ذلك، هذا هو الذي يجري عليه الناس والأصوليون في بيان طرق الجدل، وهو أن يأتي بالسؤال فيرد عليه بالجواب، ويأتي بالاعتراض فيرد على الاعتراض بالاعتراض، وهكذا. فيقول المسألة ليست كذلك، هذا الذي أردته، يقول: إن مسألة العلم في رد الاعتراض ليست محصورة فيما يحصره أصحاب كتب الجدل.
علمُ الجدل علمٌ ليس مذمومًا على الإطلاق، علم الجدل هو جزء من علم الأصول، وقد صنف فيه الأئمة في كتب الأصول، ثم أُفرد هذا العلم في كتب مستقلة، ولكن علم الجدل هو جزء من علم الأصول، هذا تقدم الكلام فيه، أنا هنا أتكلم عن الجدل الممدوح، وهو الجدل القرآني، الجدل السني، الجدل المهتدي. ايش الجدل هنا؟ الجدل ليس بالمفهوم المذموم الذي عليه، وهو الرد مطلقًا، وهو الكلام فيما لا منفعة فيه، الجدل من الجدْل، وفي الجدْل لا بد من شيئين، يعني السؤال والجواب لأهل الكلام، والاعتراض ورد الاعتراض، وهكذا، فإحدى طرق العلم العظيمة هو الجدل، وهذا ذكرته في مقدمة تعليقي على كتاب (كسر الصنم) ، واضح؟ وهذا فن عظيم عند أئمتنا، فن عظيم، من قرأ كتاب (العواصم من القواصم) مثلًا، هذا كتاب من الألف كتاب، هذا كتاب عظيم لا ينبغي لرجلٍ تتصور أن يقال عنه طالب علم دون أن يقرأ هذا الكتاب، ويقول لك أنا طالب علم ولم يقرأ هذا الكتاب، ضعه على الجانب، هذا كتاب: (العواصم والقواصم) ، ليس لأبي بكر العربي المشهور هذا، لا، (العواصم والقواصم) لابن الوزير، وهذا رجل عجيب، هذا ابن الوزير رجل عجيب، معاصر لابن تيمية ولم يره ولم يسمع به، يعيش في اليمن. كتب هذا الكتاب لولا وجود الفرق في الأسلوب -الأسلوب هذا شيء مهم، قصدي أسلوب الكتاب، وليس أسلوب العلم في الرد-، ولولا أن شيخ الإسلام له أسلوب آخر في الكلام، ويقول أهل اللغة: الرجل بأسلوبه، كما أن للرجل صفحة وجه يعرف بها ويتميز بها عن غيره، كذلك للرجل لسانه وقلمه الذي يتميز به عن الآخرين.