أنت جلست لتعلم الناس أمامك وتبين لهم وتفصّل لهم وتسهل لهم، ولكن أنت وقد أردت أن تقول ما لا يقوله علماؤنا فلا بد أن تدخل هذه الكتب من أبوابها التي كتبت فيها ومن مصطلحاتها التي صيغت بها وأنت يسلس لك قيادتها، وهذا جهد عظيم.
هذه ليست مسألة سهلة، المرء يحتاج إلى سنيين من القراءة والمراجعة وربما تقف لديه مسألة، تتعجب أنت حين خضت هذه المعركة وغمار هذا السبيل، تتعجب كيف هذا الشيخ يتكلم في هذه المسألة ويجعلها أول مسألة في البحث وهي في الحقيقة إلى الآن لم تحلل لديك وعناصرها لم تحلل في داخلك لأنه يلقيها كما في الكتاب يقول كذا وكذا ويمشي وأنت لا ينفعك هذا لا يكفيك هذا، تريد أن تدرسها لتوصلها علمًا في داخل السامع، هذا يحتاج إلى المراحل التي تكلمنا فيها:
أولًا: أن تقرأ التراث قراءة مستوعبة.
ثانيًا: أن تقرأ هذا التراث حتى تسلس لك قيادتها.
ثالثًا: أن تصيغه صياغة قريبة للنفس.
الإمام الشاطبي حقق هذه المنفعة، ولذلك لا تجد في كتابه تلك الصياغات المنطقية التي جففت رطوبة أصول الفقه، لكن هم أحرار.
وهذه طريقة علمائنا، كانوا أهل ضنٍ بعلومهم كالذي لديه الكنز فيريد أن يجعله فقط للمتخصصين يقول هذا علم لن أعطيه إلى هؤلاء الأولاد والصغار يتلاعبون به، هل أصابوا أم لم يصيبوا؟ هذا قطعًا في زمانهم له أسبابه التي نحكم من خلالها بإصابتهم. لكن بتغير الظرف، أضعنا الله يرحم علينا، لذلك أبو زكريا الفراء إمام من أئمة اللغة كان من عيب العلماء عليه أنه أراد أن يُسهِّل النحو حتى يُصبح ألعوبة في يد الصغار في الحواري، لما يسبونه يسبونه بهذا، يقولون: قف لقد أفسدت علينا الأمر، هذه جواهر كيف تلقيها هكذا؟ صعِّب حتى إذا أرادها الداخل إليها تعب للوصول إليها.
لكن الإمام الشاطبي لم يسلك هذا السبيل، من هنا نقول ما هي فوائد قراءة (الموافقات) ؟ نقول أنه من أسهل كتب الفقه، الآن الناس يتكلمون: الموافقات، الموافقات .. ولا يقرؤونه، فإذا كان الكتاب أسهل كتب الفقه كيف لو نلقيه في (المستصفى) ، كيف لو نرميه في (الإحكام) للآمدي؟ مع أن الآمدي أصلًا