المطلوبة، وقد لا ينبني عليه عمل، وتأمل حكاية الفخر الرازي: أن بعض العلماء مر بيهودي وبين يديه مسلم يقرأ عليه علم هيئة العالم، فسأل اليهودي عما يقرأ عليه؛ فقال له: أنا أفسر له آية من كتاب الله، فسأله ما هي؟ وهو متعجب، فقال: قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ} [ق: 6] . قال اليهودي: فأنا أبين له كيفية بنائها وتزيينها. فاستحسن ذلك العالم منه. هذا معنى الحكاية لا لفظها، وأيضا؛ فإن قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} [الأعراف: 185] يشمل كل علم ظهر في الوجود، من معقول أو منقول، مكتسب أو موهوب، وأشباهها من الآيات، ويزعم الفلاسفة أن حقيقة الفلسفة إنما هو النظر في الموجودات على الإطلاق، من حيث تدل على صانعها، ومعلوم طلب النظر في الدلائل والمخلوقات؛ فهذه وجوه تدل على عموم الاستحسان في كل علم على الإطلاق والعموم""
يكفي، هنا - كما ترون - ملاحظات، ترى الكلام واضح، وسنبين فيما يأتي -إن شاء الله- من معاني تتفجر من هذا الكلام:
أولها: أن هذا العالِم الشاطبي، وهذه سمة علمائنا، سمة هؤلاء العلماء أنهم يسوقون كلام الخصم بأجمل مما يسوقه الخصم. وهذا من الإنصاف والعِلم والدين والتقوى، وهذا هو حالُهم، وكذلك هذا دالٌّ عل ثقة هذا العالِم بعلمه، فإنه يُجَلي كلام الخصم بأفضل ما يكون، لأن عنده ما يَقوى على هدم هذا البنيان الجميل القوي، الذي إذا بدا لوحده بدا قويًا.
ولذلك عندما تسمعون أن الشيخ الإسلام بن تيمية كان يعرف مذاهب الخصوم أكثر مما يعرفها أهلها، فصدِّقوا. يعني هو يعرف مذاهب الناس أكثر مما يعرفها أصحابها، بل يأخذون كلامه عليهم أنه هذا دينهم، وهذا إنصاف. ولا بأس، نحن نتكلم دائمًا عن القامات العظيمة، لكن لو رأيتم كذلك كتاب أبي الحسن الأشعري (مقالات الإسلاميين) لرأيتم كذلك هذا الإنصاف العظيم في ذكر مواطن القوة في مذاهب الناس، ويرد عليها، وهذا من الإنصاف، ينبغي أن تتأمله.