فإذن هنا، لما أسقطنا هذا الوجود - وهو الدليل الذي ينشئ التواتر، الدليل سقط هنا خلاص - إذًا هذا التفريق لا وجود له فيما يسمى في الشرعيات، لا وجود له؛ ومن هنا قلنا بأن التواتر، بأن مسألة اليقيني والظني مسألة حادثة، قد يسأل .. هنا قبل أن آتي لماذا سآتي لننتهي من هذه النقطة الأولى.
النقطة الثانية: قلنا بأن اليقين والظن - وهذا الذي أشار إليه الشاطبي فيما تَقَدَّم - أن اليقيني والظني والظن الغالب والظن الذي يصل لليقين، هل له فقط تعلق بالعدد، أم له تعلق كذلك بالراوي؟ هنا نتكلم عن الدليل، ووجدنا أهل الحديث يستيقنون من أحاديث وردت على جهة الآحاد، لأن الوقت عندهم يوصلونهم، يوصلون الثقة بأهل الحديث بهذا المعنى، قد تَرِد من اثنين، ثلاثة - وهذا كله آحاد - فتصل إلى درجة اليقين، وقد تأتي أحاديث من عشرات الطرق فلا يصل إلى درجة اليقين الذي أوصله؛ فليست العبرة .. هنا ننقض قضية الطريقة والتواتر، بأن العبرة ليست في العدد، ولكن نوع الراوي يؤثر على المعتقد، هل هو يقيني أم ظني، صحيح؟
ثالثًا: قلنا بأن خبرة الناظر في الكلام في الرواية لها دور في الحكم على الحديث، وهذا تقدم من الأمثلة، قلنا بأن الناظر في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - العالم بتصرفاته وما يقضي به لو جاءه حديث من ثقة فيرده، لأنه يقول: أنا أعرف هذا الرجل لا أقبله، إذن ليست العبرة بالعدد، ولكن كذلك بنوع الرواية وما هي فيه، صحيح؟ انتهينا من هذا، هذا لا بد منه. ولذلك مسألة الظني واليقيني في الشرعيات ليس لها الآثار التي يريدها المتكلمون، ما هو أثرها؟ أثرها فقط في مسائل الشرعيات، فيما نحن فيه من أصول الفقه، في قضية واحدة وهي الترجيح، لكن قد يعترضه، وهذا الترجيح قلنا مسألة لا تنتهي لأجل هذا لم يتكلم فيها العلماء إلا كلامًا يسيرًا فقط، صحيح؟ لو نقدم التواتر على الآحاد يُقدمها الترجيح: هذا حديث متواتر، هذا حديث آحاد، فنرد؛ إذا تم التعارض الكلي ولم نستطع التوفيق كما يقول ابن خزيمة -رحمه الله- وغيره من العلماء، وهذه الكلمة أشبه بكلام الشافعي - رحمه الله:"ائتوني بأي حديثين يظهر بينهما التعارض فأنا أوفق لكم بينهم"، هذا علم اختلاف الحديث، علم مشكِل الحديث - كما يسميه المتأخرون -، أو يسمونه اختلاف الحديث، واضح؟ ومشكل الحديث كذلك تسميةٌ قديمة، هكذا سماه أبو جعفر الطحاوي - رحمه الله:مشكل الحديث. لكن إذا ظهر للناظر تعارض كلي بين متواتر وبين آحاد فالمرجِّح المتواتر، نرجح المتواتر. لو جاء حديث