الاعتراض أعرض عنه ولم يصغ إليه، وهذا يكون في الحق والباطل، هكذا قلنا، ثم نقول بأن الظن هل هو جازم؟ هو جازم لديه لكنه يقبل الاعتراض؛ فإذا عرض عليه الاعتراض أصغى إليه، وكما قلنا في الأولى، فإن المتكلمين، أو المناطقة، أو أصحاب الميزان كما يسمون أنفسهم كما قلنا، أو أصحاب النظر، أو أصحاب الجدل كما يسمون أنفسهم - هذه أسماء تطلق على هذا العلم الذي نتكلم فيه -، اليقين ينشأ بدليل يقيني، والظني ينشأ بدليل ظني، انتهينا.
هذه الأسس التي أقاموا عليها هذا نحن تكلمنا عنها باختصار، ولكن هنا ننبه بأن هاته الأسس التي أقاموا عليها هذا البناء في التفريق بين الظني - الظني الراجح - وبين اليقيني قلنا أنها غير صحيحة، أساسًا غير صحيح، فلا وجود لهذا الحدّ الفاصل، وقلنا كالتالي: بأن الظني واليقيني نسبي - يتعلق من شخص إلى شخص -، وقلنا بأن الأدلة ليست بهذا الميزان - انتبهوا - قلنا أن الأدلة التي يسمونها يقينية والأدلة التي يسمونها ظنية ليست بهذا الميزان عند أهل العلم، وخاصة فيما نحن فيه وهو الشرعيات - نحن في أي باب؟ في الشرعيات -، ليس بهذا الميزان الذي وضعوه وخاصة في مسألة التواتر، وخاصة في مسألة اليقين؛ القرآن، لأنهم أهل الإسلام لا يشكون فيه بأن كل حرف فيه هو كلام الله، لكن، هذا التواتر، وهذا الآحاد، هذا التفريق قلنا بأنه لا ينسجم مع تاريخ الإسلام - هذه إحنا اعتمدناها مهمة -، لا تنسجم مع تاريخ الإسلام، كيف؟ قلنا بأن التواتر والآحاد مسألة متأخرة لا تفوت عند الأوائل؛ لو أن صحابيًا - وهو ابن عبّاس - وعامّة أحاديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أخذها من الصحابة؛ ابن عبّاس - رضي الله عنه - صحابيٌّ صغير، متى جاء إلى الإسلام؟ متى دخل السماع من النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ بعد فتح مكة كما تعلمون، صحيح؟ إذن من أين ابن عبّاس - رضي الله عنهما - جاء بهذا العلم الغزير؟ جاءه من السمع، هل سمع كل حديث يتعلق بمسائل الاعتقاد، سمعِها تواترًا أم ربما سمعها من الواحد؟ وهو الأغلب أنه سمعها من الواحد أو الاثنين، هل هذه تحصل اليقين عنده؟ يجب أن تُحصل اليقين عنده وليست متواترة، صحيح؟ هكذا. طيب لما يأتي تلميذ ابن عبّاس العطار - رحمه الله - فيأخذ حديثًا من ابن عبّاس، هل يأخذه على جهة التواتر أو على جهة الآحاد؟ الآحاد، فمتى إذن نشأ التواتر؟ إذن في وقت متأخر، هذا بيِّن، متى نشأ التواتر والآحاد؟ في وقت متأخر نشأ التواتر؛ يعني ممكن بعد عطاء ممكن أن نجد تواترًا، لكن على الأغلب حتى هذه المرتبة لم نجد فيها تواترا، حتى هذه المرتبة الطبقة الرابعة أو الثالثة لا نجد فيها تواترا، صحيح؟ لأن عطاء قد يأخذ منه تابعي صغير، يأخذ منه.