ما يقال، لأن الشافعي لو كان بعيد الموطن، بعيدًا عن كتب الأحناف، بعيدا عن رجالهم لجاز هذا؛ هذا بعض كلام الدارسين وهو كلام غير محكم وغير سديد، عندما يقول الشافعي - رحمه الله: من استحسن فقد شرع، والاستحسان تلذذ وقول على الله بغير علم، هل كان يتكلم عن الاستحسان الذي هو عند الأحناف؟ الجواب نعم، لأن هناك من حاول أن يقول بأنه يقصد الاستحسان شيء آخر، هذا غير صحيح. الشافعي كان عالمًا بما يقوله الأحناف، عالمًا بما يقوله محمد بن الحسن الشيباني، وقد قابله وجالسه، واحترمه وقدره؛ وعامّة.
هنا فائدة، هذه ذكرها الأستاذ الشيخ عبد الرحمن المعلمي في كتاب (التنكيل) ، هذه من فوائده، قال بأن عامة من ذُكر في كتب الشافعي على وجه المناظرة دون ذكر اسمه إنما هو محمد بن حسن الشيباني واضح؟ عندما تقرأون في (الأم) ، عندما تقرأون في (جماع العلم) ، فإنه يذكر مناظرات كثيرة -الشافعي - وهي مناظرات رائعة وقوية والشافعي لا يذكر اسم المناظر له، يقول إن عامة هذه المناظرات كانت تجري مع الفقيه الحنفي تلميذ أبي حنيفة -رحمة الله عليه- وهو أقربهم إلى الأثر، وهو محمد بن الحسن الشيباني - رحمه الله -. يقول الشيخ عبد الرحمن المعلمي:"وإنما أعرض الشافعي عن ذكر اسمه على جهة الإخلاص"، أي بدافع الإخلاص، لأنه لو أنه ذكر محمد بن الحسن الشيباني لكان عظيمًا، والشافعي عند أهل العراق ليس بمحمد بن حسن الشيباني، ليس على مرتبته، فإنما لا يذكر اسمه، لأنه لو قال الصغير - وليس الشافعيُّ بصغير، لكن هذه مراتبهم عند رجل شاب وعند شيبة - لو ذكر محمد بن الحسن الشيباني لكان في ذلك تعظيمًا لنفسه، واضح الكلام؟
والقصد بأن الاستحسان الذي عابه الشافعي في كتابه إنما هو الاستحسان الذي قال به الأحناف في عصرهم، ما هو الاستحسان؟ تكلم الأحناف، وهم أصحاب القول فيه، وهم المبرزون والرافعون لشأنه، قالوا فيه أقوالًا كثيرة، يعني هم لم يتفقوا على قول فيه، ولكن جملة مقالاتهم تجتمع في هذا التعريف: أنه إعراض الفقيه عن دليل جليّ إلى دليل خفيّ، ما هو الاستحسان عندهم؟ هو إعراض الفقيه المجتهد من دليل جليّ إلى دليل خفي. الدليل الجلي هو ما ينبغي أن يُسلك عادةُ في الطريق، لكن يقول: لوجود قرينة تمنع إعمال المطروق إلى دليل آخر غير مطروق هي التي ألجأتنا إليه، ويمثلون أمثلة كثيرة لن نخوض فيها ووجدت كلامًا لابن تيمية - رحمه الله - في