إذًا فهذه منافع الخمر عندهم، والميسر لم يكن يأكلونه، عيب، هذا لا يعرفه العرب، أن إذا ربح المرء في القمار أكل المغنم هذا لا يعرفونه؛ فهذه كما ترون مصلحة ومنفعة عظيمة، لكنها مصالح ملغاة لم يقمها الشارع، ألغاها. اليوم لو أطلقنا هذه المصالح عند المشايخ، أنتم ترون.
كذلك مصلحة حفظ النفس، هذه مصلحة ملغاة في جانب مصلحة نشر الدين وحفظ بيضة الإسلام والحفاظ على الإعراض، هذه مصلحة؛ لو أن رجلًا مات في سبيل الحفاظ على أرضه هو محمود، ولو أن رجل خاف ذهاب المال ففرط في عرضه لكان مذمومًا، صحيح؟ فهذه مصالح. إذن ربما تستقل المصلحة فتلغى لا قيمة لها - كما رأينا في الخمر والميسر - وربما تكون مصلحة مقابل مصلحة، فحينئذ يأتي دور الشارع في التمييز، وذلك كما سنبيّن في كتاب المقاصد للإمام الشاطبي بأنه يقول بأن الإجماع منقعد على أن ضرورة الدين أولى من كل ضرورة، بحيث أن المال يذهب في سبيل الدين، والنفس تذهب وهكذا، تذهب كل الضرورات مقابل حفظ الدين، واليوم الدين أين مرتبته في المصالح المعتبرة عند الفقهاء؟ هو آخر الضرورات التي يعتنى بها.
والقصد بأن هذه الجملة من كلام الشاطبي - رحمه الله - معبأة بالعلم، عندما نتكلم عن المصالح لا بُدَّ أن نفصل فيها، لا بُدَّ أن ننظر فيها نظر الفقهاء، لا بُدَّ أن ننظر فيها نظر الشرع، ولذلك هو يرسي أن ثمة مصالح مرسلة، الذين يخالفون بأن المصالح المرسلة لا وجود لها - وها هنا أنبّه على نقطة - يقولون بأن هذه المصالح المرسلة إن أنتم قد اعتبرتموها، يعني الذين يثبتون المصالح المرسلة يقولون بأنكم اعتبرتموها في ظرف من الظروف، إذن أنتم أعدتموها إلى مصالح معتبرة. وهنا لا بُدَّ من مسألة، كما رأيتم هنا في هذه الحالة بأن الأصول قد اختلفت، لكن قد اتفقوا في الفروع، وهنا يأتي دور أن الأصول في مرات كثيرة لا تحسم الخلاف، وإنما يكون الخلاف فيما يتعلق في الفروع كأنها مُطلقة، واضح؟ يعني قد يتفق فقيهان قد اختلفا في الأصول في مسألة، وقد يختلف فقيهان في مسألة فرعية وقد اتفقا في الأصول، وذلك بَيِّن كثيرا، هذا كثير جدًا في كلام أهل العلم، يعني ذلك أنه لا بُدَّ من النظر إلى الأصول وإلى الفروع هذا واحد.
النقطة الثانية ما هو الاستحسان؟ أنتم تعلمون أن أول من أطلق لفظ الاستحسان هم الأحناف وجاء الشافعي وأبطله، مع أنه ذكر في كتابه (الأم) في أكثر من ثلاثة مواطن: أستحسن هذا، استحسن هذا. وأفسد ما يُقال بأن الشافعي لم يكن يقصد الاستحسان الذي قصده الأحناف، هذا أفسد