-عليه السلام - طلب من فرعون أن يكون النزال بينه وبين السحرة يوم الزينة، وإنما أراد هذا - عليه السلام - وهم أرادوا هذا، وقيل للناس {هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ ? لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} ، هم أرادوا هذا وحضروا نفسية الناس: {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} بهذه المقدمات، وهذا ممكن ونحن رأينا قول القرآن {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ? وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} ، علمنا أن دخولهم ليس لقوة الخطاب لكن لغلبة المثال، الغلبة. والدليل على هذا ما ورد في صحيح البخاري بأن العرب في الجزيرة كانوا يرقبون لمن الغلبة للنبي - صلى الله عليه وسلم - أَم للقريش، ينتظرون لمن الغلبة ليدخلوا في طاعته، ولَمّا مات النبي - صلى الله عليه وسلم - وانتقل إلى الرفيق الأعلى ارتدت العرب لأنهم ظننوا أن المثال الغلبة قد ذهبت. فإذن الفرادة والفرد لا يغلب عليه هذا، إنما يغلب عليه الخطاب العلمي، ومن هنا تكلمنا في درسٍ سابق أشرنا إليها بأن القرآن هو كتاب الفرادة؛ القرآن في خطابه العلمي هو خطاب الفرادة، وهذا بين، تكلمنا عنه في درس سابق.
القصد أيها الإخوة الأحبّة بأن الأساس الأقوى والأبرز في كتاب الإمام الشاطبي هنا بين يدينا هو التفريق بين ما هو جزئي وما هو كلي، بين ما هو خاص وبين ما هو عام، وهذا بحث مهم نحن فقط نرفع العلامات عليها لننتبه إليها.
هنا يحضر الإمام الشاطبي قضية مهمة جدًا، هذه تكلم فيها العلماء على جهة التمثيل، وهو يبرزها هنا على جهة التأصيل. العلماء قديمًا تكلموا عن التمثيل بما تثبت الأدلة، فقالوا، لما جئنا إلى كتاب (الرسالة) مثلًا ونحن نسشتهد به كثير باعتبار هذا الكتاب قد أرسى كيفية التفكير الأصولي والمنهج الأصولي، رأيناه يستدل على القياس، لكنه لم يُعْلمنا بمنهجية هذا الاستدلال؛ هنا الإمام الشاطبي - رحمه الله - يبيّن لنا تأصيل الاستدلال للأصول، أي التي يسمونها بـ «الأدلة الإجمالية» . نحن نعرف ونعلم كيف يُستدل على الأحكام التفصيلية، صحيح؟ نعرف هذا: من أين نأخذ الأحكام الفرعية في الصلاة وغيرها، لكنه هنا ينبهنا إلى كيفية الاستدلال بالأصول؛ قد يسأل سائل يقول: الأصول لا بُدَّ من الأدلة اليقينية، هو يحضرنا لهذه المسألة، وهو في هذا الكتاب إنما يريد أن ينبه إلى ما يسمى بالمصلحة المرسلة عند المالكية، هو يهيئ القواعد والأسس من أجل أن يقول من أين جئتم بالمصلحة المرسلة؟ هو يهسء لها هنا، واضح؟ فعبارته الآن بينة يقول: بأننا يمكن أن لا نجد نصًا صريحًا كما تقدم في التواتر المعنوي، يمكن أن لا نجد صريحًا في التدليل على المصلحة المرسلة لكن هذه المصلحة فاشية في قضايا كثيرة، واضح؟ هذا معنى كلامه.