الاتجاه، وهو اتجاه معرفة حياتنا ومعرفة كتابنا، لا أريد فقط جمالًا لفظيًا، نستيطع أن نخوض في المطلقات والكليات ما شئنا، كما يتكلم الشعراء والأدباء في شعر الشعراء.
قلنا في درس سابق بأن كبار المحدثين قد ينشأ لديهم التعليل في السند بسبب نفور قلوبهم من المتن، صحيح؟ وهذه نفس القضية وقد يكون النظر في المتن تاليًا عن النظر في السند، وهذه الطريقة المألوفة، الطريقة المطروقة، لكن طرائق الكبار قد تخالف هذه الطريقة، وهي طريقة علمية سديدة لا يفزع إليها إلا الكبار، قلنا هؤلاء هم الذين تشربوا حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذه من هذه أيضًا. هذه من هذه أيها المشايخ وهو أنه يمكن أن تفهم كتاب الله بعد أن رأيت الواقع والسُنن، فأنت تبحث بعد أن أدركت هذه السنن الواقعية وتأملتها ودرستها - أي درست هذه الظاهرة وهذه السُنّة - أن تبحث عنها في كتاب الله فتجدها، واضح؟ يعني الشافعي قرر الإجماع ثم بحث عن الدليل، وهكذا. وهناك الطريقة المطروقة أن يفهم المرء كتاب الله فهمًا سديدًا فحينئذ يفهم الواقع فهمًا سديدًا، وقد يُخطأ في فهم كتاب الله فحينئذ يصدمه الواقع؛ وهذا عامّةً ما يقع فيه المشايخ والجماعات الإسلامية: يفهمون كتاب الله وسُنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهمًا غير سديد فيصدمهم الواقع، الواقع أقوى، النص يمكن تأويله؛ الله - عز وجل - حمى كتابه من العبث والتغيير والتبديل والتحريف، لكنه لم يحم كتابه من التأويل ومن الفهم على غير المراد، هذا لم يحمه كما في آية سورة آل عمران: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} فهذا يقع.
القصد؛ الآن نأتي إلى النقطة التي بدأنا منها وهي نقطة مهمة بأن للجماعة قوانين وسنن تخالِف هذه السنن ما عليه الفرد، وقلنا بأن هذه تُسمّى عند البعض «سكيولوجية الجماهير» ، يعني مثال، أضرب لكم مثال عما يقولونه، وهذه لها وجه نظر سديدة يمكن أن نجد، بل أنا ممن أقول دائمًا هذه موجودة في كتاب الله وفي حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك أن خطاب الفرد يغلب عليه العقل والاستدلال والنظر الصحيح وربط المقدمات مع النتائج. يعني عندما أنت تحاور رجل في جلسة، تحاوره بطريقة علمية وتقدم له المقدمات السديدة لتصل معه إلى النتائج، فتتعامل معه بطريقة علمية، لكن هل هذا ينفع مع الجماهير؟ يقولون بأن الجماهير لا يصح معهم الخطاب العقلي، لابد من رفع المثال (النموذج) ولابد من خطاب العاطفة، يعني لما تتكلم مع الجماهير لا بد أن تغلب العاطفة على العقل، وبخلاف ما لو خاطبت الفرد، هكذا يقولون؛ فحينئذ علمنا بأن خطاب الفرد يختلف في بعض الجوانب عن خطاب الجماعة، هل هناك ضرورة لهذين الخطابين؟ الجواب نعم، فإن موسى