فأكثر ما أثر علم الكلام في علم الأصول، وأقل ما أثر فيه علم الحديث؛ لأنه مبني على الرواية ومع ذلك دخل فيه.
فيقول ابن رجب أن أول من أدخل الطريق الأصولية على علم الحديث هو البغدادي في (الكفاية) عندما تكلم عن قضية قبول الثقة مطلقًا، قال أن هذه طريقة الفقهاء وليست طريقة المحدثين القدماء.
ما يهمنا أن كتاب (الفقيه والمتفقه) هو كتاب أصولي أثري من يقرؤه خير له بكثير من أن يقرأ كتب المتكلمين وكتب الأحناف، لماذا؟ لأنه يبني أصوله على طريقة الأوائل، يحضر المسألة وكيف هذه اشتق منها العلماء هذا الفقه من طريقة العام والخاص والمطلق والمقيد، وهل كل مطلق يحمل على المقيد؟ وهكذا ..
الكتاب الرابع الذي نستطيع أن ندرجه مع اعتبار خواصه هو كتاب (الإحكام) لابن حزم، وندخله في هذه المدرسة؛ لأن أسلوبه -بغض النظر عن مباحثه هل هي صحيحة أم خطأ وطريقته هي الطريقة الأثرية- يأتي للأحاديث والآيات ويعمل فيها الطريقة العلمية المشهورة في استنباط الفروع من خلال هذه الأصول، عليه كلام كثير عند أهل الفقه وأصحاب المذاهب الأربعة، لكنه بأسلوبه يدخل في هذه المدرسة، ونكتفي الآن بهذا.
فأين (الموافقات) من هذه المدارس؟ ذكر الشاطبي في مقدمة كتابه (عنوان التعريف بأسرار التكليف) الآن سنأتي للمقدمة لأن فيها فوائد، يقول أن عنوان الكتاب كان (عنوان التعريف بأسرار التكليف) وتغيَّر إلى (الموافقات) ؛ بسبب صديق له رأى رؤيا أن الشيخ أبا إسحاق الشاطبي قال له:"أنا أكتب كتابًا للتوفيق بين مذهب ابن القاسمي المالكي -لكن لكون المالكية في الغرب لا يعرفون مالك إلا عن طريق ابن قاسم- وبين أبي حنيفة، فهو موافقات .."
إذن، كما ترون فالكتاب محاولة -هكذا هو، لما نقرأ لا نجد هذا لكن هذه المسألة في ذهنه- جعل الأصول التي زعموا أن فيها اختلافًا متوافقة في الحقيقة، فلذلك هو أقرب إلى المدرسة الأثرية، يكثر من الأمثلة وخاصة الأحاديث والآيات يكثر منها إكثارًا كبيرًا وأسلوبه لا يمت إلى المتكلمين بصلة.