النقطة الثانية يا مشايخ، وهي مهمة جدًا، هذا الدليل منه ما هو قطعي، ومنه ما هو غير قطعي، هل هو باعتبار العلوم؟ أنا أختصر هنا، أختصر أمشي فيه مشيًا سريعًا، هل هو باعتبار العلوم أو باعتبار ثقة الناظر فيها؟ بمعنى، عندما يأتي واحد من المتكلمين ولا يعرف أصول المحدثين في الحكم على الحديث، لا يعرف أصوله، فهو ينظر فيها نظرة الأجنبي عنها، وبعد ذلك يحصل لديه شيء من الثقة، أنها علومٌ صحيحة، فيحكم على الحديث أنه إذا اتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله من أول السند إلى منتهاه بأنه يسمح بأن يكون هذا الحديث مقبولا ولا يُرد، لأنه حديث صحيح. هذا بالنسبة للأجنبي عن الحديث، لكن عندما يأتي المحدث الذي خبِر النصوص، واشتغل فيها من نعومة أظفاره، فيأتي إليه الحديث، الذي حصل به الظن عند الأجنبي، كم يحصل عنده من اليقين - عند هذا المحدث - عندما يأتي حديث مثل إنما الأعمال بالنيات، وهو حديث فرد غريب! عندما يأتي المحدث، رجل خبر النصوص، عرفها، عنده القدرة على تمييزها في أدق خفاياها، عندما يأتي للمحدث فيقول له ما تقول في هذا الحديث ماذا أفاد عندك؟ أفاد عندك الظن أم أفاد عندك اليقين، ماذا يجيب؟ يقول أفاد اليقين، ماذا يرد عليه الآخر؟ بما حصل عندك اليقين؟ يقول حصل عندي اليقين بما أعلم من هذا العلم، وبما مارست في هذا العلم من أساليب حتى أمحص، فأنت تأخذ منه يقينه الذي حصل به لما مارس به هذا العلم، والآخر يأخذ به الظن لأنه فقط جرب فيه القواعد العقلية التي يعملها في هذا الفن، وهو التفريق بين ما هو آحاد وما هو متواتر، إذًا لنعد إلى القاعدة، وهو أن اليقينيّ والظنيّ هي مسألة اعتبارية، وهذا هو شأن العلوم إخواني، أن الظني واليقيني وأن القطعي والظني هذه أمور اعتبارية تعود إلى أمرين، الأمر الأول: إلى ثقتك بالعلم الذي تمارسه، وهذه يفترق فيها الناس بين مبصر عالمٍ بها وبين أجنبي عنها، وتختلفُ في الشخص الواحد كذلك في ظروف متعددة، حيث ربما يغزوا اليقين الشبه فتنزل المرتبة، ثم تقوى المرتبة في مكان آخر وهكذا، ولذلك إن من أوائل ما ينبغي أن يدرس لدى طالب العلم إخراج هذه الكلمة من العلوم، مع أنها مقدِّمة للعلوم، مقدمة لكُتب ما يسمى بفقه العلوم عند علمائنا في كتب الأصول لابد أن تقرأها، إلا أنه على الحقيقة بأنها مقدمة ينبغي أن تزال، وأما آثارها السيئة في تاريخ أمتنا، فنؤجل البحث فيها، واضح الكلام يا مشايخ؟ هذه قفزة كبيرة أليس كذلك؟ وخطيرة لكن لا بأس، عندما نجد علماء، عندما نجد أن الذين وضعوا هذه القواعد لم يُعملها. يعني يا فقيه .. يا أصولي ما هي فائدة الأصول؟ الفقه، وعندما نذهب إلى الفقه، لا نجد لها وجود، فما هي فائدتها؟ وعندما نذهب إلى العقائد، تجد أن لها وجود، لكن وجود سيء، وذاك بردِّهم حديث الآحاد في العقائد! فعلينا حين