الاستقراء، ما معنى الاستقراء؟ يعني قرأت أفراد المجموعة التي بين يديك جميعها، جميع أفرادها؛ كأن تريد أن تعرف ما هو الإنسان، فقرأت جميع الإنسان فوجدت فيه صِبغة جامعة له، هذه القراءة التي هي قراءة مستوعبة تامّة لجميع الأفراد ومدرِكة لحقائق هذا الذي قرأته، ونظرْتَ فوجدت فيه شيئًا جامعًا؛ هذا هو الاستقراء الكلي. واضح الاستقراء الكلي؟
أنا أحضر لك حبات تمر فأقول لك: أعطني شيئًا جامعًا لها، فأنت تنظر فيها قراءةً، ما معنى القراءة هنا؟ النظر والبحث والتدقيق، قرأتها فوجدتها أنها مثلًا كلها فيها صفة البياض فقلت هذه بيضاء، هذا استقراء كلي، هذه صفة تجمعها، صفة البياض، هذه تجمعها صفة الحلاوة، وهكذا.
فالاستقراء الكلي هذا لا ينكره إلا جاهل، وهذا الاستقراء الكلي بقاؤه يعني بقاء العقل الناظر فيه متفتحًا، ما دام موجود في عقل متفتح تبقى القراءة قائمة في كل العلوم وفي كل الأشخاص وفي كل الجماعات وفي كل الأحداث، هذا الذي يجعلك تقرأ الظواهر، هذه ظاهرةٌ عجيبة، فأنت تبحث فيها في داخلها لترى ما هو الخط الجامع الخيط الجامع لخرزها. طيب، إذا يقابل الاستقراء .. فهمنا الاستقراء الكلي؟ مفهوم.
الآن يأتي «الاستقراء الجزئي» ، الاستقراء الجزئي: أن تقرأ أغلب ما بين يديك من الأفراد؛ عندك أفراد لم تقرأها كلها قرأت أغلبها فهذا عند أهل العلم بعضهم لا يراه دليلًا وبعضهم يراه دليلًا ظنيًا، يعني لا تستطيع أن ترده ردًا كليًا ولا تستطيع أن تقبله قبولًا كليًا، فيبقى في مجال الظن الراجح لأنك قرأت الأغلب، وهذا يسميه بعضهم اليوم الإحصاء، وإلى آخره، له أسماء جديدة، فهذا عندنا الاستقراء.
فالذي ينشئ - هنا سنرى - أن الإمام الشاطبي الذي أنشأ لديه اليقين هو الاستقراء، الذي أنشأ لديه اليقين في أصول الفقه هو الاستقراء، وهكذا يقول، سنرى نحن، واضح؟
إذًا فسّرنا معنى كلمة أصول الفقه، ماذا؟ قطعية، تكلمنا عن الأدلة اليقينية والأدلة الظنية، الاستقراء الظني والاستقراء القطعي.