فهرس الكتاب

الصفحة 919 من 1664

ونقول بقول الفقهاء عن الدار إذا علتها أحكام الكفر وكانت الغلبة فيها للكفار وشرائعهم؛ إنها دار كفر.

ولكننا نعتقد؛ بأن هذا اصطلاح لا دخل له في الحكم على قاطني الديار في ظل غياب دولة الإسلام وسلطانه، وتغلب المرتدين وتسلطهم على أزمة الحكمة في بلاد المسلمين، فإن هذا المصطلح يطلق على الدار إذا علتها أحكام الكفر، وإن كان أكثر أهلها مسلمين، كما يطلق مصطلح"دار الإسلام"على الدار التي علتها أحكام الإسلام، وإن كان أكثر أهلها كفار، ما داموا خاضعين لحكم الإسلام - ذمة -

فلا نؤصل على هذه المصطلحات أصولًا فاسدة، كما يفعل غلاة المكفرة، كمقولة؛"الأصل في الناس اليوم الكفر مطلقًا"، ولا نتبنى شيئًا من ذلك، بل نعامل كل امرىء بما ظهر منه ونكل سرائرهم إلى الله، فنعامل من أظهر الإسلام به، ونحكم عليه بالإسلام، ونقول إن الأصل فيمن أظهر شرائع الإسلام؛ الإسلام، ما لم يتلبّس بناقض، وكذلك نعامل من أظهر الكفر والشرك، وتولى المشركين وظاهرهم على الموحدين؛ بما أظهر، حتى يؤمن بالله وحده، ويوحّد في عبادته، وينخلع عما هو فيه من كفر ويبرأ منه.

وحلق اللحى أو التشبه بالكفار ونحوه من المعاصي مما عمت به البلوى وانتشر في هذا الزمان؛ لا يصلح وحده أدلة للتكفير، فليست هذه أسبابًا صريحة للتكفير، فلا نستحل بمثلها الدماء والأموال - كما يفعل غلاة المكفرة -"فإن استباحة دماء المصلين الموحدين خطر عظيم، والخطأ في ترك ألف كافر أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم".

في شروط وموانع وأسباب التكفير

[الكاتب: أبو محمد المقدسي]

هذا واعلم رحمنا الله تعالى وإياك أن لهذا الحكم الشرعي الخطير … شروطًا وموانع وأسبابًا يجب عليك مراعاتها والإنتباه إليها ومعرفتها فقد قصر في فهمها وتعلمها واعتباراها أقوام ، فأعملوا سيوف التكفير وأسنته في أمة محمد صلى الله عليه وسلم … ولم يميزوا بين برها وفاجرها وكافرها ..

مع أنه من المعلوم المقرر عند العلماء المحققين ، ( أن نصوص الوعيد التي في الكتاب والسنة ، ونصوص الأئمة بالتكفير والتفسيق ونحو ذلك ، لا يستلزم ثبوت موجبها في حق المعين ، إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع ، لا فرق في ذلك بين الأصول والفروع ..) (1)

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ( أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال هي كفر قولًا يطلق ، كما دل على ذلك الدلائل الشرعية ، فإن الإيمان من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله ، ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم ، ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير ، وتنتفي موانعه ..) أهـ .من مجموع الفتاوي (35/101)

وقد ذكر رحمه الله تعالى (12/266) أصلين عظيمين في باب التكفير:

-أحدهما: أن العلم والإيمان والهدى فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأن خلاف ذلك كفر على الإطلاق ، فنفي الصفات كفر ، والتكذيب بأن الله يُرى في الآخرة ، أو أنه على العرش أو أن القرآن كلامه أو أنه كلم موسى أو أنه اتخذ ابراهيم خليلا؛ كفر…

-والأصل الثاني: أن تكفير العام - كالوعيد العام - يجب القول بإطلاقه وعمومه ، وأما الحكم على المعين بأنه كافر ، أو مشهود له بالنار ، فهذا يقف على الدليل المعين ، فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه ، وانتفاء موانعه …) أهـ

كما ذكر رحمه الله تعالى نزاع المتأخرين في كفر الجهمية ونحوهم ، هل هو كفر ناقل عن الملة أم لا ، ونزاعهم في خلودهم في النار .. ثم قال: ( وحقيقة الأمر أنهم أصابهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشرع، كلما رأوهم قالوا:( من قال كذا فهو كافر ) اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله ، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين ، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع ، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه …)

ثم ذكر مباشرة الإمام أحمد للجهمية الذين فتنوا الناس على القول بخلق القرآن ، و ذكر تعذيبهم له ولغيره .. ثم بين دعاء الإمام أحمد للخليفة واستغفاره لمن ضربه وحبسه .. قال: ( ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الإستغفار لهم ، فإن الإستغفار للكفار لا يجوز …) إلى قوله:

(… وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية ، الذين يقولون القرآن مخلوق ، وإن الله لا يرى في الآخرة ، وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه كفر به قومًا معينين ، فإما أن يذكر عنه في المسألة روايتان ففيه نظر .

أو يحمل الأمر على التفصيل ، فيقال من كفره بعينه فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير ، وانتفت موانعه ، ومن لم يكفره بعينه فلانتفاء ذلك في حقه ، (2) هذا مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم ) أهـ مجموع الفتاوى (12/261-262) .

ثم شرع في سرد الأدلة على بعض موانع التكفير ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت