(1) مبادئ نظام الحكم في الإسلام للدكتور عبد الحميد متولي: ص 822. (2) تفسير ابن كثير: 218/4، تفسير الخازن: 190/6، التشريع الجنائي الإسلامي: 316/1، الديمقراطية الإسلامية للدكتور عثمان خليل ص 35، مبادئ نظام الحكم، المرجع السابق: ص 827.
(3) أخرجه ابن لال والديلمي عن سهل بن سعد، والحسن بن سفيان وأبو بشر الدولابي والعسكري في الأمثال عن أنس (كشف الخفا للعجلوني وغيره) .
(4) رواه البيهقي عن جابر بن عبد الله وقال: في إسناده بعض من يجهل، ولأحمد عن أبي نضرة في معناه (الترغيب والترهيب: 612/3، مجمع الزوائد: 266/3-273) .
(5) رواه أحمد والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة (مجمع الزوائد: 251/10) .
وطبق الرسول عليه الصلاة والسلام المبدأ أولًا على نفسه، فأعد نفسه للقوَد (القصاص) ممن جلده أو شتمه أو أخذ منه ماله بغير حق (1) ، وكذلك فعل أبو بكر وعمر وبقية الخلفاء الراشدين، وكان الخليفة الراشدي يعلن مبدأ المساواة بصراحة في أول خطبة سياسية يلقيها بعد توليه الخلافة. وكان هذا المبدأ أهم المبادئ التي جذبت قديمًا نحو الإسلام الكثير من الشعوب الأخرى، كما لاحظ بعض المستشرقين (2) .
ولا شك أن تحقيق ا لمساواة منوط باختصاص الحكومات لا باختصاص الأفراد، لاحتياج المبدأ إلى سلطان يقرره وقوة تحميه وتنفذ محتواه دون تحيز، ومع تجرد عن الأهواء والغايات الشخصية، قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: (ما يزع السلطان أكثر مما يزعهم القرآن) (3) .
85 -والخلاصة: أن الإسلام يحرص على حماية حقوق الإنسان سواء في دار الإسلام أم في دارالحرب، ويحترم في الواقع مفاهيم الكرامة الإنسانية والحرية والعدالة والإخاء والتعاون والمساواة بين كل الناس، فتتعاون الدولة الإسلامية مع غيرها عند الدخول في علاقات تجارية ونحوها مع البلدان الأخرى، أو أثناء الإقامة بدار الحرب، أو وقت الاحتكاك بالشعوب أثناء الفتوح، أو عند اجتياز الحربيين لبلادنا وتمتعهم بالأمان فيها.
وهذا على عكس ما عليه الوضع الدولي الحاضر عند النظر إلى الواقع الملموس، فقد فقدت المبادئ المذكورة كثيرًا من معانيها، وأصبحت معاييرها مضطربة، وصار وجودها في المواثيق والأذهان مقصورًا على الناحية النظرية والمزايدات الإعلامية أو الدعائية في هيئة الأمم وتوابعها. أما في الواقع فإن مصالح الدول الكبرى أو الطرف الأقوى دائمًا هي القائمة فعلًا، بل إن بعض تلك الدول تمارس أبشع ألوان التمييز العنصري في داخل بلادها أو في مستعمراتها في إفريقية.
(1) هذا معنى حديث رواه الفضل بن عباس (الكامل لابن الأثير: 154/2) .
(2) الدكتور عبد الحميد متولي، المرجع السابق: ص 823.
(3) أخرجه رزين عن يحيى بن سعيد رحمه الله (جامع الأصول: 469/4) ويزع: يردع.
المطلب الثاني: وظيفة تقوم على اعتبار خصائص الدولة الإسلامية وأهدافها:
تمهيد:
86 -إن حفاظ الإسلام على السلم العالمي ودعمه، وحرصه على نشر دعوته السلمية، وفكرته عن وحدة البشرية تجعل منه نظامًا عالميًا صالحًا للاهتداء بتعاليمه في المجتمع، إذ إن نظرته الإنسانية للناس تتخطى حدود القوميات الضيقة، وعصبيات الجنس واللون والوطن، ولأن اعتقاده بوحدة الدين في أصل الرسالات السماوية يشيع جوًا وديًا من التسامح.
وأما تشريع الجهاد فيه فهو في حدود الضرورة أو الحاجة كالدفاع عن حرية العقيدة والدعوة والعبادة، أو دفع الظلم عن المستضعفين، أو إزالة الفتنة والفساد في الأرض، لذا فإن الإسلام يقاوم حروب العدوان أو حروب الاستعمار من أجل فتح مناطق النفوذ أو السيطرة على أسواق العالم.
وعلى الدولة المسلمة أن تتعاون مع غيرها من الدول المخلصة في كل مجال يخدم سعادة الإنسان ويحقق الخير للبشرية.
ويتجلى ذلك من كلامنا عن وظائف الدولة الآتية في النطاق الخارجي:
1 -التعاون مع المخلصين من غير المسلمين:
87 -لا حرج في الإسلام من قيام الدولة المسلمة بالتعاون مع المخلصين من غير المسلمين، سواء أكانوا من أهل الكتاب أم من غيرهم أتباع الديانات الأخرى، وذلك من أجل تحقيق الخير المشترك والدفاع عن المصالح العامة، والتعاون على إقامة العدل، ونشر الأمن وصيانة الدماء أن تسفك، وحماية الحرمات أن تنتهك، ولو على شروط يبدوفيها بعض الإجحاف، عملًا بالمثل الرائع الذ ي وضعه لنا الرسول صلّى الله عليه وسلم في صلح الحديبية: «والله لا تدعوني قريش إلى خُطة يسألوني فيها صلة الرحم ويعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها» (1) .