فهرس الكتاب

الصفحة 735 من 1664

وَلَيْسَ كَذَلِكَ: مَنْ سَكَنَ فِي طَاعَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ مِنْ الْغَالِيَةِ؛ وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ، لأَنَّ أَرْضَ مِصْرَ وَالْقَيْرَوَانِ، وَغَيْرَهُمَا، فَالإِسْلامُ هُوَ الظَّاهِرُ، وَوُلاتُهُمْ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ لا يُجَاهِرُونَ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ الإِسْلامِ، بَلْ إلَى الإِسْلامِ يَنْتَمُونَ، وَإِنْ كَانُوا فِي حَقِيقَةِ أَمْرِهِمْ كُفَّارًا.

وَأَمَّا مَنْ سَكَنَ فِي أَرْضِ الْقَرَامِطَةِ مُخْتَارًا فَكَافِرٌ بِلا شَكٍّ، لأَنَّهُمْ مُعْلِنُونَ بِالْكُفْرِ وَتَرْكِ الإِسْلامِ - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ.

وَأَمَّا مَنْ سَكَنَ فِي بَلَدٍ تَظْهَرُ فِيهِ بَعْضُ الأَهْوَاءِ الْمُخْرِجَةِ إلَى الْكُفْرِ، فَهُوَ لَيْسَ بِكَافِرٍ، لأَنَّ اسْمَ الإِسْلامِ هُوَ الظَّاهِرُ هُنَالِكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، مِنْ التَّوْحِيدِ، وَالإِقْرَارِ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وَالْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ دِينٍ غَيْرِ الإِسْلامِ وَإِقَامَةِ الصَّلاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَسَائِرِ الشَّرَائِعِ الَّتِي هِيَ الإِسْلامُ وَالإِيمَانُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -"أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ أَقَامَ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ" (1) يُبَيِّنُ مَا قُلْنَاهُ، وَأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ دَارَ الْحَرْبِ، وَإِلا فَقَدْ اسْتَعْمَلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عُمَّالَهُ عَلَى خَيْبَرَ، وَهُمْ كُلُّهُمْ يَهُودُ.

وَإِذَا كَانَ أَهْلُ الذِّمَّةِ فِي مَدَائِنِهِمْ لا يُمَازِجُهُمْ غَيْرُهُمْ فَلا يُسَمَّى السَّاكِنُ فِيهِمْ - لإِمَارَةٍ عَلَيْهِمْ، أَوْ لِتِجَارَةٍ - بَيْنَهُمْ: كَافِرًا، وَلا مُسِيئًا، بَلْ هُوَ مُسْلِمٌ حَسَنٌ، وَدَارُهُمْ دَارُ إسْلامٍ، لا دَارُ شِرْكٍ، لأَنَّ الدَّارَ إنَّمَا تُنْسَبُ لِلْغَالِبِ عَلَيْهَا، وَالْحَاكِمُ فِيهَا، وَالْمَالِكُ لَهَا.

وَلَوْ أَنَّ كَافِرًا مُجَاهِدًا غَلَبَ عَلَى دَارٍ مِنْ دُورِ الإِسْلامِ، وَأَقَرَّ الْمُسْلِمِينَ بِهَا عَلَى حَالِهِمْ، إلا أَنَّهُ هُوَ الْمَالِكُ لَهَا، الْمُنْفَرِدُ بِنَفْسِهِ فِي ضَبْطِهَا، وَهُوَ مُعْلِنٌ بِدِينٍ غَيْرِ الإِسْلامِ لَكَفَرَ بِالْبَقَاءِ مَعَهُ كُلُّ مَنْ عَاوَنَهُ، وَأَقَامَ مَعَهُ - وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ مُسْلِمٌ - لِمَا ذَكَرْنَا.

وَأَمَّا مَنْ حَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ مِنْ أَهْلِ الثَّغْرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَعَانَ بِالْمُشْرِكِينَ الْحَرْبِيِّينَ، وَأَطْلَقَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى قَتْلِ مَنْ خَالَفَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ عَلَى أَخْذِ أَمْوَالِهِمْ، أَوْ سَبْيِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ هِيَ الْغَالِبَةُ وَكَانَ الْكُفَّارُ لَهُ كَأَتْبَاعٍ، فَهُوَ هَالِكٌ فِي غَايَةِ الْفُسُوقِ، وَلا يَكُونُ بِذَلِكَ كَافِرًا، لأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ شَيْئًا أَوْجَبَ بِهِ عَلَيْهِ كُفْرًا: قُرْآنٌ أَوْ إجْمَاعٌ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُ الْكُفَّارِ جَارِيًا عَلَيْهِ فَهُوَ بِذَلِكَ كَافِرٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، فَإِنْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ لا يَجْرِي حُكْمُ أَحَدِهِمَا عَلَى الآخَرِ فَمَا نَرَاهُ بِذَلِكَ كَافِرًا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَإِنَّمَا الْكَافِرُ الَّذِي بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.""

قلت: الزهري ـ وهو من كبار علماء السلف الصالح ـ همّ أن يهاجر إلى بلاد الروم طلبًا للنجاة مع وجود أرض الإسلام .. ودولة وخلافة الإسلام .. ولكن لما كان مكرهًا كان معذورًا كما يقول ابن حزم.

أقول: كيف بزماننا وقد اشتد ظلم وإرهاب حكام بني جلدتنا على الإسلام والمسلمين .. إلى أن وصل بهم ظلمهم وكفرهم ـ كما في كثير من البلدان ـ أن يعتبروا اللحية وارتداء الزي الإسلامي جريمة نكراء يؤخذ عليها بالنواصي والأقدام ..!

إضافة إلى ذلك انتفاء وجود الأرض الإسلامية التي يمكن أن يلتجئ إليها كل من اضطهد في دينه من المسلمين .. لا شك أن اعتبار الإكراه في مثل هذه الظروف والقول به أولى من الظرف أو الإكراه الذي تعرض له الإمام الزهري .. والله تعالى أعلم

وفي الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن المستورد القرشي قال وهو عند عمرو بن العاص: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"تقوم الساعة والروم أكثر الناس"، فقال له عمرو: أبصر ما تقول، قال أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالًا أربعًا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقةً بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرَّة، وخيرهم لمسكين ويتيمٍ وضعيف، وخامسةٌ حسنةٌ جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت