فهرس الكتاب

الصفحة 680 من 1664

يقول الله تعالى: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِى التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِى الإنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: 29] .

أما بعد: أيها المسلمون، فإن الإسلام يضع لمعتنقيه مبادئ عظيمة، من شأنها أن تشد على الروابط بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وتحفظ وحدتهم وتصون كرامتهم، ومن هذه المبادئ التي أفصح عنها رسول الهدى صلوات الله وسلامه عليه بقوله: (( من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ) ) (1) [1] .

والاهتمام بأمر المسلمين ـ أيها المؤمنون ـ لا يعني المظهر دون المخبر، ولا يكفي فيه إبداء الشعور الطيب دون خطوات إيجابية وعملية تعبر عن الاهتمام الفعلي، وبعبارة صريحة: لا يكفي من المسلم التألم والتحسر وسكب الدموع مدرارا على ما ينزل بالمسلمين من البلوى والأذى، بل من واجبه أن يرفع الصوت عاليًا، مستنكرًا الجرائم التي تنزل بإخوته، مقدما لهم الدعم المادي والمعنوي إسهامًا في رفع كابوس المحنة عنهم، حتى يعود الحق إلى نصابه، وحتى يشعر الإخوة المسلمون المنكوبون أن إلى جوارهم من إخوانهم من يشد أزرهم ويرعى فيهم حق أخوة الإسلام، ويحقق بالعمل قول سيد البشر صلى الله عليه وسلم: (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ) ) (2) [2] .

أيها المسلمون، وإن كان الشعور الطيب لا يكفي في تصوير اهتمام المسلم بأخيه فكيف بمن يعرض عن نصرته وهو قادر؟! وكيف بمن يقف موقف المتفرج من الكوارث تنزل بإخوانه ثم لا يكون منه أي محاولة لرد الطغيان وكف العدوان؟! أفلا يكون مؤاخذًا على تبلد إحساسه وشعوره، داخلًا في زمرة من عناهم المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: (( لا يقفن أحدكم موقفًا يضرب فيه رجل ظلمًا فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يدفعوا عنه ) ) (3) [3] ، والضرب ـ أيها المسلمون ـ هو مثل لجميع ألوان الإرهاب الأرضي وقصف المؤسسات كما أنه يشمل كل الوسائل التي يعمد إليها الإنسان لتعذيب الإنسان.

ومن المبادئ التي وجه إليها الإسلام أتباعه هو أن لا يقبل المسلم الذلة والهوان، وأن لا يعيش في الأرض وهو خليفة الله فيها وهو منكس الرأس مستعبدٌ للغير، وقد وصله الله بمعيته كما قال تعالى: وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: 69] وجعل له العزة في العالمين كما قال تعالى: وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [آل عمران: 139] ، وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَاكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ، وجعل رزقه وأجله بيده لئلا يطأطئ رأسه لمخلوق قال تعالى: فَابْتَغُواْ عِندَ اللَّهِ الرّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُواْ لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [العنكبوت: 17] ، وقال أيضا: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: 58] .

أيها المؤمنون، وما الناس في الواقع إلا وسائط لإيصال ما قدر للعبد في دنياه من الرزق أو الجاه أو المنصب أو غير ذلك من أمور الدنيا، لن يفرغ أجل عبد إلا وقد استوفى ما قدر له كما جاء في الحديث الشريف: (( إن روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تستوفي رزقها وأجلها ) ) (4) [4] .

فمن رضي بالذل بعد أن أعزه الله واستعبد لغير الله وأقام على الضيم ينزل به فهو ممن عناهم رسول الهدى صلى الله عليه وسلم بقوله: (( من رضي الذلة من نفسه طائعًا غير مكره فليس منا ) ) (5) [5] .

فاتقوا الله أيها المسلمون، وخذوا بكل مبدأ رسمه لكم الإسلام، أخلصوا الولاء للإخاء الإسلامي، وابتغوا العزة التي كتبها الله للمؤمنين تكونوا من أولي الألباب، الذين امتدحهم الله في كتابه حيث قال: فَبَشّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُو الاْلْبَابِ [الزمر: 17، 18] .

وقد دخل صحابي على عظيم من عظماء الفرس في الفتوحات الإسلامية فقال له: ما جاء بكم إلينا؟ فرد عليه الصحابي بملء فيه، مظهرًا العزة دون رهبة: (ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت