فهاتان الآيتان صريحتان في أن الله سبحانه عالم بأحوال العباد مطلع على شئونهم محيط بهم ولا يخفى عليه من أمرهم خافية ، ولهذا بدأ سبحانه هاتين الآيتين بالعلم وختمهما بالعلم ، تنبيها للعباد على أن المراد بالمعية هو العلم والإحاطة والاطلاع على كل شيء من أمر العباد ليخافوه ويعظموه ويبتعدوا عن أسباب غضبه وعذابه ، وليس معنى ذلك أنه مختلط بالخلق أو أنه في كل مكان ، كما يقول ذلك بعض المبتدعين الضالين تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وقولهم هذا باطل بالنص والإجماع ، بل هو سبحانه وتعالى فوق العرش قد استوى عليه استواء يليق بجلاله لا يشابه فيه خلقه ، كما صرح بذلك في كتابه الكريم في سبع آيات من القرآن الكريم ، منها قوله عز وجل: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى وهو سبحانه لا شبيه له ولا مثل له في جميع صفاته كما قال عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وقال سبحانه: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ فهو عز وجل فوق العرش عال فوق خلقه كما أخبر بذلك عن نفسه ، وعلمه في كل مكان لا يخفى عليه خافية ، كما قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وقال سبحانه: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ فهذه الآيات المحكمات وما جاء في معناها كلها ترشد العباد إلى أن ربهم سبحانه فوق العرش وأعمالهم ترفع إليه وهو معهم بعلمه أينما كانوا لا يخفى عليه منهم خافية ،
أما المعية الخاصة: فهي للأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم بإحسان وهم أهل التقوى والإيمان والصبر والمصابرة ، وهذه المعية الخاصة تقتضي الحفظ والكلاءة والنصر والتأييد ، كما قال عز وجل عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال لصاحبه في الغار وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ولما أرسل الله موسى
وهارون عليهما الصلاة والسلام إلى فرعون اللعين قال لهما مثبتا ومطمئنا: لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى وقال عز وجل في كتابه المبين يخاطب المشركين: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وقال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ وقال عز وجل: وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وقال تعالى: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ والآيات في هذا المعنى كثيرة ،
فينبغي أن يكون شعار المسلمين في إذاعاتهم وصحفهم وعند لقائهم لأعدائهم في جميع الأحوال هو الشعار القرآني الإسلامي الذي أرشد الله إليه عباده ، وذلك بأن يقولوا: الله مع المتقين ، الله مع المؤمنين ، الله مع الصابرين ، وما أشبه هذه العبارات حتى يكونوا قد تأدبوا بآداب الله وعلقوا النصر بأسبابه التي علقه الله بها ، لا بالعروبة ولا بالوطنية ولا بالقومية ولا بأشباه ذلك من الألفاظ والشعارات التي ما أنزل الله بها من سلطان .
أيها المجاهد إنك في معركة عظيمة مع عدو لدود عظيم الحقد على الإسلام وأهله ، فوطن نفسك على الجهاد والصبر والمصابرة ، وأخلص عملك لله واستعن به وحده ، وأبشر إذا صدقت في ذلك