قَدْ يَكُونُ بِاللِّسَانِ , وَالْمَوْعِظَةِ , وَالْحُجَّةِ: كَمَا نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا أَبُو دَاوُد نا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ نا حَمَّادُ - هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ - عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ * . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِأَعْيَانِهِمْ وَأَنَّهُمْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إسْلَامِهِمْ , وَلَكِنْ لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا * صَحَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَذَلَ لَهُمْ التَّوْبَةَ وَقَبِلَهَا مِمَّنْ أَحَاطَهَا مِنْهُمْ وَكُلُّهُمْ بِلَا شَكٍّ أَظْهَرَ التَّوْبَةَ . وَبُرْهَانُ ذَلِكَ: حَلِفُهُمْ وَإِنْكَارُهُمْ فَلَا مُتَعَلَّقَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ . وَقَالَ تَعَالَى وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ * إلَى قوله تعالى يَكْذِبُونَ * . قَالَ: وَهَذِهِ أَيْضًا صِفَةٌ أَوْرَدَهَا اللَّهُ تَعَالَى يَعْرِفُهَا كُلُّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ , وَلَيْسَ فِيهَا نَصٌّ وَلَا دَلِيلٌ , عَلَى أَنَّ صَاحِبَهَا مَعْرُوفٌ بِعَيْنِهِ , عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِّينَا أَثَرًا لَا يَصِحُّ , وَفِيهِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ - وَهَذَا بَاطِلٌ , لِأَنَّ ثَعْلَبَةَ بَدْرِيٌّ مَعْرُوفٌ , وَهَذَا أَثَرٌ: نا حُمَامٌ نا يَحْيَى بْنُ مَالِكِ بْنِ عَائِذٍ نا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي غَسَّانَ نا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْبَاجِيَّ ني سَهْلٌ السُّكَّرِيُّ نا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْخَرَّازُ نا مِسْكِينُ بْنُ بُكَيْرٍ نا مَعَانُ بْنُ رِفَاعَةَ السَّلَامِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: جَاءَ ثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ بِصَدَقَتِهِ إلَى عُمَرَ فَلَمْ يَقْبَلْهَا وَقَالَ: لَمْ يَقْبَلْهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَلَا أَبُو بَكْرٍ , وَلَا أَقْبَلُهَا ؟ * قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا بَاطِلٌ بِلَا شَكٍّ , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِقَبْضِ زَكَوَاتِ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ , وَأَمَرَ عليه السلام عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ لَا يَبْقَى فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ , فَلَا يَخْلُو ثَعْلَبَةُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا فَفَرَضَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ , وَعُمَرَ قَبْضَ زَكَاتِهِ وَلَا بُدَّ , وَلَا فُسْحَةَ فِي ذَلِكَ - وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَفَرَضَ أَنْ لَا يُقِرَّ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ - فَسَقَطَ هَذَا الْأَثَرُ بِلَا شَكٍّ , وَفِي رُوَاتِهِ: مَعَانُ بْنُ رِفَاعَةَ وَالْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , وَعَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ - وَهُوَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَلْهَانِيُّ - وَكُلُّهُمْ ضُعَفَاءُ , وَمِسْكِينُ بْنُ بُكَيْرٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ . وَقَالَ تَعَالَى الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ * إلَى قوله تعالى فَاسِقُونَ * . وَقَالَ تَعَالَى وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا * إلَى قوله تعالى وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ * . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدَّمْنَا هَذِهِ الْآيَةَ وَهِيَ مُؤَخَّرَةٌ عَنْ هَذَا الْمَكَانِ ; لِأَنَّهَا مُتَّصِلَةُ الْمَعَانِي بِاَلَّتِي ذَكَرْنَا قَبْلَهَا , لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا فِي أَمْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ - ثُمَّ نَذْكُرُ الْقَوْلَ فِيهِمَا جَمِيعًا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ الْآيَاتُ فِيهَا: أَنَّهُمْ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ , وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ - وَهَذَا لَيْسَ كُفْرًا بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ . وَأَمَّا قوله تعالى اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ * إلَى قوله تعالى الْفَاسِقِينَ * . وقوله تعالى وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا * إلَى قوله تعالى فَاسِقُونَ * . فَإِنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى تَمَادِيهِمْ عَلَى الْكُفْرِ إلَى أَنْ مَاتُوا , وَلَكِنْ يَدُلُّ يَقِينًا عَلَى أَنَّ فِعْلَهُمْ ذَلِكَ مِنْ سُخْرِيَّتِهِمْ بِاَلَّذِينَ آمَنُوا غَيْرُ مَغْفُورٍ لَهُمْ , لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا فِيمَا خَلَا , فَكَانَ مَا سَلَفَ مِنْ كُفْرِهِمْ مُوجِبًا أَنْ يُغْفَرَ لَهُمْ لَمْزُهُمْ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ , وَسُخْرِيَّتُهُمْ بِاَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إلَّا جَهْدَهُمْ - وَإِنْ تَابُوا مِنْ كُفْرِهِمْ -