فهرس الكتاب

الصفحة 534 من 1664

وَلَكِنَّ ممَّا يحُزُّ في نَفسِ الغَيُورِ على هذِهِ الآلاءِ وتِلكَ النِّعَمِ غَفلَةَ فِئَامٍ مِنَ النَّاسِ عَن قِيمتِها وَعَظِيمِ شَأنِهَا، وَتَفريطَهُم فِيهَا وَعَدَمَ تَقييدِها بِشُكرِ الوَاهِبِ سُبحانَه؛ إِذْ إِنَّ مِنَ المُتَقَرِّرِ أَنَّ النِّعَمَ إِذَا شُكِرَت قَرَّت، وَإذَا كُفِرَت فَرَّت، وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرتُم لأَزِيدَنَّكُم وَلَئِن كَفَرتُم إِنَّ عَذَابي لَشَدِيدٌ.

وَإنَّ مِن مَظَاهِرِ كُفرِ النِّعمَةِ التي لُحِظَ أَنها تَزدَادُ بِازدِيَادِ النِّعَمِ وَتَكثُرُ بِوَفرَتِها مَا يَصدُرُ مِن بَعضِ النَّاسِ مِن تَصَرُّفَاتٍ رَعنَاءَ مَصدَرُها أَفكَارٌ حمقَاءُ تُنبِئُ عن قُصُورٍ في الفَهمِ وخَلَلٍ في التَّفكِيرِ والتَّصَوُّرِ، حَيث يُغرِقُونَ في حُبِّ ذَوَاتِهِم وَالانكِفَاءِ عَلَيهَا، وَيَرَونَ أَنَّهُم أَحَقُّ مِن غَيرِهِم في التَّمتُّعِ بما حَولَهم مِنَ النِّعَمِ دُونَ مُنازِعٍ وَلا مُشَارِكٍ، نَاسِينَ أَو مُتَنَاسِينَ أَنَّ فَضلَ اللهِ وَاسِعٌ وَخَيرَهُ عَمِيمٌ، وَأَنَّ خَزَائِنَهُ مَلأى وَيَدَهُ سَحَّاءُ بِالعَطَاءِ لَيلًا وَنهارًا، لا يَنقُصُ مِن مُلكِهِ شَيء وَلَو أَعطَى كُلَّ إِنسَانٍ مَا يُرِيدُ، وَأَنَّهُ لا يَنقُصُ رِزق أَحَدٍ أَن يُشَارِكَهُ فِيهِ آخَرُ، وَأَنَّهُ لا مُعطِيَ لما مَنَعَ اللهُ ولا مَانِعَ لما أَعطَى.

يُقَالُ هَذَا الكلامُ ـ أَيُّها الإِخوَةُ ـ لما يَرَاهُ الرَّقِيبُ مِنِ استِمرَارِ قَضَايَا التَّنَازُعِ وَالشَّكَاوَى في المحاكِمِ وَمخَافِرِ الشُّرطَةِ، والتي لا مَنشَأَ لها إِلاَّ الحَسَدُ وَضِيقُ الأُفُقِ وَتَمَكُّنُ الأَثَرَةِ مِنَ القُلُوبِ، فَجَارٌ يَشكُو جَارَهُ عَلى أَمتَارٍ قَلِيلَةٍ اقتَطَعَهَا مِن أَرضٍ لَيسَت لهما جميعًا، وَآخَرُ يَتَبَرَّمُ مِن صَاحِبِ مَزرَعَةٍ حَفَرَ بِئرًا بِجَانِبِ بِئرِهِ بِحُجَّةِ أَنَّهُ امتَصَّ الماءَ عنه، وَتَاجِرٌ يَتَسَخَّطُ مِن قِلَّةِ كَسبِهِ لأَنَّ فُلانًا افتَتَحَ محلاًّ يُزَاوِلُ فِيهِ نَشَاطَهُ وَيَبِيعُ كَمِثلِ سِلعَتِهِ، وَصَاحِبُ إِبِلٍ أَو غَنَمٍ يَشكُو أَنَّ فُلانًا ضَايَقَهُ أَو استَأثَرَ بِالكَلأِ دُونَهُ، فَيَسعَى لِلتَّضيِيقِ عَلَيهِ وَيَتَمَحَّلُ الحِيَلَ لِزَرعِ المَلَلِ في نَفسِهِ، إِلى آخِرِ مَا هُنَالِكَ مِن شَكَاوَى يَصِلُ بَعضُها إِلى المَؤسَّسَاتِ الرَّسمِيَّةِ والمحاكِمِ الشَّرعِيَّةِ، وَيَظَلُّ أَكثرُها حَبِيسَ المجالِسِ رَهِينَ الزَّوَايَا، تَلُوكُهُ الأَلسِنَةُ وَتَتَحَرَّكُ بِهِ الشِّفَاهُ، وَيجعَلُهُ المُتَسَامِرُونَ مَادَّةً لِحَدِيثِهِم وَيَأخُذُونَ فِيهِ وَيُعطُونَ، وَيُسِرُّ بِهِ أُنَاسٌ لآخَرِينَ وَيَتَآمَرُونَ، وَيَعمَلُ الشَّيطَانُ عَمَلَهُ وِيجِدُ فُرصَتَهُ في التَّحرِيشِ بَينَ الناسِ وَإِيقَاعِ العَدَاوَةِ بَينَهُم وَالنَّفثِ في نَارِ البَغضَاءِ وَإِشعالِ وَقُودِ الحَسَدِ، وَصَدَقَ الشاعِرُ إِذْ قَالَ:

لَعَمْرُكَ مَا ضَاقَت بِلادٌ بِأَهلِهَا…وَلَكِنَّ أَخلاقَ الرِّجَالِ تَضِيقُ

نَعَمْ أَيُّها الإِخوَةُ، مَا ضَاقَت بِلادٌ بِمَنْ حَلَّ فِيهَا، وَلا نَفِدَ رِزقُ اللهِ لِكَثرَةِ مُشَارِكٍ، لَكِنَّهَا أَخلاقُ الرِّجَالِ وَصُدُورُهُم، لَكِنَّهَا قُلُوبُ الرِّجَالِ وَأَفئِدَتُهُم، لَكِنَّهُ الحُمقُ وَالطَّيشُ وَضِيقُ العَطَنِ، لَكِنَّهُ النَّزَقُ وَالخِفَّةُ وَضَعفُ التَّحمُّلِ. إِنَّهُ الحَسَدُ وَالغِيرَةُ وَضَعفُ اليَقِينِ وَقِلَّةُ التَّوَكُّلِ، مَاتَ آباؤُنا وَقَبلَهُم قَضَى أَجدَادُنا، وَفَنِيَت أَجيَالٌ وَتَلتهَا أَجيَالٌ، وَمَا نَالَ أَحَدٌ مِنهُم فَوقَ مَا قُدِّرَ لَهُ، وَسَنمُوتُ كَمَا مَاتُوا وَنُنسَى كَمَا نُسُوا، وَلَن يَزِيدَ في رِزقِ أَحَدٍ مِنَّا حِرصُهُ وَلا جَشَعُهُ وَلا طَمَعُهُ، وَلا حَسَدُهُ لأَخيهِ أَو جَارِهِ أَو قَرِيبِهِ، أَو أَن يَتَحَلَّى بِالأَثَرَةِ فَلا يَرَى إِلاَّ نَفسَهُ، كَمَا أَنَّهُ لَن يَنقُصَ ممَّا قُسِمَ لَهُ أَن يُشَارِكَهُ الآخَرُونَ في رِزقٍ مُشَاعٍ، لَكِنَّهَا قَنَاعَاتٌ شَيطَانِيَّةٌ وَإِرجَافَاتٌ إِبلِيسِيَّةٌ، يَزرَعُها الشَّيطَانُ في قُلُوبِ مَن ضَعُفَ بِاللهِ إِيمَانُهُم، وَيَبُثُّهَا في صُدُورِ مَن قَلَّت بِاللهِ ثِقَتُهُم، وَيُزَعزِعُ بها عَقِيدَةَ مَن عُدِمَ عَلَيهِ تَوَكُّلُهُم، وَيُجلِبُ بها عَلَى مَن ضَمُرَ عَلَى رَبِّهِم اعتِمَادُهُم، فَلَم يَرَوا مِنَ الأَسبَابِ إِلاَّ مَا ظَهَرَ لأَعيُنِهِم، ولم يَقنَعُوا مِن الأَرزَاقِ إِلاَّ بما حَسَبَتهُ عُقُولُهُم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت