مُقْتَضٍ لِذَلِكَ , وَمِنْ ثَمَّ قُلْت فِي شَرْحِ الْعُبَابِ: ( لَا يُقَالُ قَوْلُهُمْ يُسَنُّ لِلْمَجْرُورِ مُسَاعَدَةُ الْجَارِّ لَهُ مِنْ الصَّفِّ يُخَالِفُهُ قَوْلُهُمْ: الْإِيثَارُ بِالْقُرَبِ مَكْرُوهٌ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى لِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ هَذَا إيثَارًا بِقُرْبَةٍ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ , بَلْ هُوَ تَحْصِيلُ فَضِيلَةٍ لِلْغَيْرِ مَعَ بَقَاءِ فَضِيلَتِهِ ; لِوُجُودِ خَلَفٍ عَنْهَا هُوَ فَضِيلَةُ الْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى الْمُعَادِلَةُ لِفَضِيلَةِ مَا فَاتَ عَلَيْهِ مِنْ الصَّفِّ , وَإِنَّمَا الْإِيثَارُ بِالْقُرْبَةِ مِثْلُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الصَّفِّ قَبْلَ الصَّلَاةِ لِيُدْخِلَ غَيْرَهُ مَوْضِعَهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَا فِيهِ تَفْوِيتُ فَضِيلَةٍ عَلَى النَّفْسِ لَا إلَى بَذْلٍ , وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ تَقْدِيمُ مَنْ هُوَ أَحَقُّ مِنْهُ بِتِلْكَ الْقُرْبَةِ كَتَقْدِيمِ الْأَقْرَإِ عَلَى الْأَفْقَهِ فِي الْإِمَامَةِ , وَإِنْ كَانَ الْأَقْرَأُ قَدْ تَقَدَّمَ إلَيْهَا عَلَى أَنَّ فِي ذَلِكَ مِنْ امْتِثَالِ أَمْرِ الشَّارِعِ مَا يَجْبُرُ فَضِيلَةَ تَقَدُّمِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وفي كشاف القناع (1) :
( وَمَنْ لَمْ يَجِدْ ) مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ ( إلَّا طَعَامَ غَيْرِهِ فَرَبُّهُ الْمُضْطَرُّ أَوْ الْخَائِفُ أَنْ يُضْطَرَّ أَحَقُّ بِهِ ) لِمُسَاوَاتِهِ الْآخَرِ فِي الِاضْطِرَارِ وَانْفِرَادِهِ بِالْمِلْكِ أَشْبَهَ غَيْرَ حَالَةِ الِاضْطِرَارِ ( وَلَيْسَ لَهُ ) أَيْ: رَبِّ الطَّعَامِ إذَا كَانَ كَذَلِكَ ( إيثَارُهُ ) أَيْ: غَيْرِهِ بِهِ لِئَلَّا يُلْقِيَ بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ . وَفِي الْهَدْيِ فِي غَزْوَةِ الطَّائِفِ يَجُوزُ وَإِنَّهُ غَايَةُ الْجُودِ لقوله تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ * وَلِقَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي فُتُوحِ الشَّامِ وَعُدَّ ذَلِكَ فِي مَنَاقِبِهِمْ ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ وَلَعَلَّهُ لِعِلْمِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ حُسْنَ التَّوَكُّلِ وَالصَّبْرِ ( وَإِلَّا ) يَكُنْ رَبُّ الطَّعَامِ مُضْطَرًّا وَلَا خَائِفًا أَنْ يُضْطَرَّ ( لَزِمَهُ ) أَيْ: رَبَّ الطَّعَامِ ( بَذْلُ مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ ) أَيْ: الْمُضْطَرِّ ( فَقَطْ ) لِأَنَّهُ إنْقَاذٌ لِمَعْصُومٍ مِنْ الْهَلَكَةِ كَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ وَالْحَرِيقِ ( بِقِيمَتِهِ ) أَيْ: الطَّعَامِ نَصًّا لَا مَجَّانًا ( وَلَوْ فِي ذِمَّةِ مُعْسِرٍ ) لِوُجُودِ الضَّرُورَةِ ( فَإِنْ أَبَى ) رَبُّ الطَّعَامِ بَذْلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْهُ بِقِيمَتِهِ ( أَخَذُهُ ) مُضْطَرٌّ ( بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ ثُمَّ ) إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهِ بِالْأَسْهَلِ أَخَذَهُ مِنْهُ ( قَهْرًا ) لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ مَالِكِهِ لِاضْطِرَارِهِ إلَيْهِ ( وَيُعْطِيهِ عِوَضَهُ ) أَيْ: مِثْلَهُ أَوْ قِيمَتَهُ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ فَوَاتُ الْعَيْنِ وَالْبَدَلِ وَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ مُتَقَوِّمٍ ( يَوْمَ أَخْذِهِ ) لِأَنَّهُ وَقْتُ تَلَفِهِ ( فَإِنْ مَنَعَهُ ) رَبُّ الطَّعَامِ مِنْ أَخْذِهِ بِعِوَضِهِ ( فَلَهُ ) أَيْ: الْمُضْطَرِّ ( قِتَالُهُ عَلَيْهِ ) لِكَوْنِهِ صَارَ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُ لِاضْطِرَارِهِ إلَيْهِ وَهُوَ يَمْنَعُهُ ( فَإِنْ قُتِلَ الْمُضْطَرُّ ضَمِنَهُ رَبُّ الطَّعَامِ ) لِقَتْلِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ( بِخِلَافِ عَكْسِهِ ) بِأَنْ قُتِلَ رَبُّ الطَّعَامِ فَلَا يَضْمَنُهُ الْمُضْطَرُّ أَشْبَهَ الصَّائِلَ ( وَإِنْ مَنَعَهُ ) أَيْ: الطَّعَامَ مِنْ الْمُضْطَرِّ رَبُّهُ ( إلَّا بِمَا فَوْقَ الْقِيمَةِ فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ بِذَلِكَ ) الَّذِي طَلَبَهُ لِاضْطِرَارِهِ إلَيْهِ ( كَرَاهَةَ أَنْ يَجْرِيَ بَيْنَهُمَا دَمٌ أَوْ عَجْزًا عَنْ قِتَالِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ ) أَيْ: الْمُضْطَرَّ ( إلَّا الْقِيمَةُ ) لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ بِالْبَدَلِ وَالزَّائِدِ أُكْرِهَ عَلَى الْتِزَامِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ فَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ رَجَعَ بِهِ
وفي غمز عيون البصائر (2) :
(1) -شرح منتهى الإرادات - (ج 11 / ص 362) ومطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى - (ج 18 / ص 472)
(2) - غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر - (ج 2 / ص 259) والأشباه والنظائر لابن نجيم - (ج 1 / ص 119)