هناك حقيقة أولية ، ينبغي أن تكون واضحة في نفوسنا تمامًا ونحن نقدم الإسلام للناس: الذين يؤمنون به والذين لا يؤمنون به على السواء .. هذه الحقيقة تنبثق من طبيعة الإٍسلام ذاته ، وتنبع من تاريخه .
إن الإسلام تصور مستقل للوجود والحياة ، تصور كامل ذو خصائص متميزة ، ومن ثَمَّ ينبثق منه منهج ذاتي مستقل للحياة كلها ، بكل مقوماتها وارتباطاتها ، ويقوم عليه نظام ذو خصائص معينة .
هذا التصور يخالف مخالفة أساسية سائر التصورات الجاهلية قديمًا وحديثًا . وقد يلتقي مع هذه التصورات في جزئيات عرضية جانبية ، ولكن الأصول التي تنبثق منها هذه الجزئيات مختلفة عن سائر ما عرفته البشرية من نظائرها .
ووظيفة الإسلام الأولى هي أن ينشئ حياة إنسانية توافق هذا التصور ، وتمثله في صورة واقعية ، وأن يقيم في الأرض نظامًا يتبع المنهج الرباني الذي اختاره الله ، وهو يخرج هذه الأمة المسلمة لتمثله وتقوم عليه ، وهو - سبحانه - يقول:
ويقول في صفة هذه الأمة:
وليست وظيفة الإسلام إذن أن يصطلح مع التصورات الجاهلية السائدة في الأرض ، ولا الأوضاع الجاهلية القائمة في كل مكان .. لم تكن هذه وظيفته يوم جاء ، ولن تكون هذه وظيفته اليوم ولا في المستقبل .. فالجاهلية هي الجاهلية ، الجاهلية هي الانحراف عن العبودية لله وحده وعن المنهج الإلهي في الحياة ، واستنباط النظم والشرائع والقوانين والعادات والتقاليد والقيم والموازين من مصدر آخر غير المصدر الإلهي .. الإسلام وهو الإسلام ، ووظيفته هي نقل الناس من الجاهلية إلى الإسلام !
الجاهلية هي عبودية الناس للناس: بتشريع بعض الناس للناس ما لم يأذن به الله ، كائنة ما كانت الصورة التي يتم بها هذا التشريع .. !
والإسلام هو عبودية الناس لله وحده بتلقيهم منه وحده تصوراتهم وعقائدهم وشرائعهم وقوانينهم وقيمهم وموازينهم والتحرر من عبودية العبيد !
هذه الحقيقة المنبثقة من طبيعة الإسلام ، وطبيعة دوره في الأرض ، هي التي يجب أن نقدم بها الإسلام للناس: الذين يؤمنون به والذين لا يؤمنون به على السواء !
إن الإسلام لا يقبل أنصاف الحلول مع الجاهلية . لا من ناحية التصور ، ولا من ناحية الأوضاع المنبثقة من هذا التصور .. فإما إسلام وإما جاهلية . وليس هنالك وضع آخر نصفه إسلام ونصفه جاهلية ، يقبله الإسلام ويرضاه .. فنظرة الإسلام واضحة في أن الحق واحد لا يتعدد ، وأن ما عدا هذا الحق فهو الضلال . وهما غير قابلين للتلبس والامتزاج . وأنه إما حكم الله وإما حكم الجاهلية ، وإما شريعة الله ، وإما الهوى .. والآيات القرآنية في هذا المعنى متواترة كثيرة:
فهما أمران لا ثالث لهما . إما الاستجابة لله والرسول ، وإما اتباع الهوى . إما حكم الجاهلية . إما الحكم بما أنزل الله كله وإما الفتنة عما أنزل الله .. وليس بعد هذا التوكيد الصريح الجازم من الله سبحانه مجال للجدال أو للمحال ..