فهرس الكتاب

الصفحة 468 من 1664

وسيأتي إن شاء الله تعالى ما خطر لنا في ذلك من الاحتمال بناءًا على ما يفهم من ظاهر كلام عمر بن الخطاب بمحضر جمع من الأصحاب { الذين أُخْرِجُواْ مِن ديارهم * وأموالهم } حيث اضطرهم كفار مكة وأحوجوهم إلى الخروج فخرجوا منها ، وهذا وصف باعتبار الغالب ، وقيل: كان هؤلاء مائة رجل { يَبْتَغُونَ فَضْلًا مّنَ الله وَرِضْوَانًا } أي طالبين منه تعالى رزقًا في الدنيا ومرضاة في الآخرة ، وصفوا أولًا بما يدل على استحقاقهم للفيء من الإخراج من الديار والأموال ، وقيد ذلك ثانيًا بما يوجب تفخيم شأنهم ويؤكده مما يدل على توكلهم التام ورضاهم بما قدره المليك العلام { وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ } عطف على { يَبْتَغُونَ } فهي حال مقدرة أي ناوين لنصرة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أو مقارنة فإن خروجهم من بين الكفار مراغمين لهم مهاجرين إلى المدينة نصرة وأي نصرة { أولئك } الموصون بما ذكر من الصفات الجليلة { هُمُ الصادقون } أي الكاملون في الصدق في دعواهم الإيمان حيث فعلوا ما يدل أقوى دلالة عليه مع إخراجهم من أوطانهم وأموالهم لأجله لا غيرهم ممن آمن في مكة ولم يخرج من داره وماله ، ولم يثبت منه نحو ما ثبت منهم لنحو لين منه مع المشركين فالحصر إضافي ووجه بغير ذلك ، وحمل بعضهم الكلام على العموم لحذف متعلق الصدق وتمسك به لذلك فيه الاستدلال على صحة إمامة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لأن هؤلاء المهاجرين كانوا يدعونه بخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله تعالى قد شهد بصدقهم فلا بد أن تكون إمامته رضي الله تعالى عنه صحيحة ثابتة في نفس الأمر وهو تمسك ضعيف مستغنية عن مثله دعوى صحة خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه بإجماع الصحابة ، ومنهم علي كرم الله تعالى وجهه ، ونسبة التقية إليه بالموافقة لا يوافق الشيعة عليها متق كدعوى الإكراه بل مستغنية بغير ذلك أيضًا .

وقال الشهيد سيد قطب رحمه الله (1) :

(للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا , وينصرون الله ورسوله , أولئك هم الصادقون) . .

وهي صورة صادقة تبرز فيها أهم الملامح المميزة للمهاجرين . . أخرجوا إخراجا من ديارهم وأموالهم . أكرههم على الخروج الأذى والاضطهاد والتنكر من قرابتهم وعشيرتهم في مكة . لا لذنب إلا أن يقولوا ربنا الله . . . وقد خرجوا تاركين ديارهم وأموالهم (يبتغون فضلا من الله ورضوانا) اعتمادهم على الله في فضله ورضوانه . لا ملجأ لهم سواه , ولا جناب لهم إلا حماه . . وهم مع أنهم مطاردون قليلون (ينصرون الله ورسوله) . . بقلوبهم وسيوفهم في أحرج الساعات وأضيق الأوقات . (أولئك هم الصادقون) . .

الذين قالوا كلمة الإيمان بألسنتهم , وصدقوها بعملهم . وكانوا صادقين مع الله في أنهم اختاروه . وصادقين مع رسوله في أنهم اتبعوه . وصادقين مع الحق في أنهم كانوا صورة منه تدب على الأرض ويراها الناس !

وفي أضواء البيان (2) :

في هذه الآية الكريمة وصف شامل للمهاجرين في دوافع الهجرة: أنهم { يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ الله } ، وغايتها: وهي { وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَه } ، والحكم لهم بأنهم { أولئك هُمُ الصادقون } .

ومنطوق هذه الأوصاف يدل بمفهومه أنه خاص بالمهاجرين ، مع أنه جاءت نصوص أخرى تدل على مشاركة الأنصار لهم فيه: منها قوله تعالى: { إِنَّ الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله والذين آوَواْ ونصروا أولئك بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ } [ الأنفال: 72 ] ، وقوله تعالى بعدها: { والذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ الله والذين آوَواْ ونصروا أولئك هُمُ المؤمنون حَقًّا } [ الأنفال: 74 ] .

فذكر المهاجرين بالجهاد بالمال والنفس ، وذكر معهم الأنصار بالإيواء والنصر ، ووصف الفريقين معًا بولاية بعضهم لبعض ، وأثبت لهم معًا حقيقة الإيمان { أولئك هُمُ المؤمنون حَقًّا } [ الأنفال: 4 ] ، أي الصادقون في إيمانهم فاستوى الأنصار مع المهاجرين في عامل النصرة وفي صدق الإيمان .

وفي التفسير الوسيط (3) :

أثنى - سبحانه - على المهاجرين الذين فارقوا أموالهم وعشيرتهم ، من أجل إعلاء كلمته - تعالى - فقال: { لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ الله وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أولئك هُمُ الصادقون } .

قال الإمام الرازى: اعلم أن هذا بدل من قوله - تعلاى -: { وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل . . } كأنه قيل: أعنى بأولئك الأربعة ، هؤلاء الفقراء المهاجرين الذين من صفتهم كذا وكذا .

(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 469)

(2) - أضواء البيان - (ج 8 / ص 190)

(3) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 4146)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت