فَصْلٌ وَأَمَّا حَالُ"أَهْلِ الصُّفَّةِ"هُمْ وَغَيْرُهُمْ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا فِي الصُّفَّةِ أَوْ كَانُوا يَكُونُونَ بِهَا بَعْضَ الْأَوْقَاتِ فَكَمَا وَصَفَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ حَيْثُ بَيَّنَ مُسْتَحِقِّي الصَّدَقَةِ مِنْهُمْ وَمُسْتَحِقِّي الْفَيْءِ مِنْهُمْ . فَقَالَ: { إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } - إلَى قَوْلِهِ - { لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحَافًا } . وَقَالَ فِي أَهْلِ الْفَيْءِ: { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } . وَكَانَ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ مَنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ وَغَيْرِهِمْ يَكْتَسِبُونَ عِنْدَ إمْكَانِ الِاكْتِسَابِ الَّذِي لَا يَصُدُّهُمْ عَمَّا هُوَ أَوْجَبُ أَوْ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ الْكَسْبِ وَأَمَّا إذَا أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَنْ الْكَسْبِ فَكَانُوا يُقَدِّمُونَ مَا هُوَ أَقْرَبُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَكَانَ أَهْلُ الصُّفَّةِ ضُيُوفَ الْإِسْلَامِ يَبْعَثُ إلَيْهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يَكُونُ عِنْدَهُ فَإِنَّ الْغَالِبَ كَانَ عَلَيْهِمْ الْحَاجَةُ لَا يَقُومُ مَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْكَسْبِ بِمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ الرِّزْقِ . وَأَمَّا"الْمَسْأَلَةُ"فَكَانُوا فِيهَا كَمَا أَدَّبَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ حَرَّمَهَا عَلَى الْمُسْتَغْنِي عَنْهَا وَأَبَاحَ مِنْهَا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ حَقَّهُ مِثْلَ أَنْ يَسْأَلَ ذَا السُّلْطَانِ أَنْ يُعْطِيَهُ حَقَّهُ مِنْ مَالِ اللَّهِ أَوْ يَسْأَلَ إذَا كَانَ لَا بُدَّ سَائِلًا الصَّالِحِينَ الْمُوسِرِينَ إذَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ وَنَهَى خَوَاصَّ أَصْحَابِهِ عَنْ الْمَسْأَلَةِ مُطْلَقًا حَتَّى كَانَ السَّوْطُ يَسْقُطُ مِنْ يَدِ أَحَدِهِمْ فَلَا يَقُولُ لِأَحَدِ: نَاوِلْنِي إيَّاهُ . وَهَذَا الْبَابُ فِيهِ أَحَادِيثُ وَتَفْصِيلٌ . وَكَلَامُ الْعُلَمَاءِ لَا يَسَعُهُ هَذَا الْمَكَانُ . مِثْلُ { قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ: مَا أَتَاك مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ سَائِلٍ وَلَا مُشْرِفٍ فَخُذْهُ وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَك } وَمِثْلُ قَوْلِهِ: { مَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ } وَمِثْلُ قَوْلِهِ: { مَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيه جَاءَتْ مَسْأَلَتُهُ خُدُوشًا أَوْ خُمُوشًا أَوْ كدوشا فِي وَجْهِهِ } وَمِثْلُ قَوْلِهِ: { لِأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَذْهَبَ فَيَحْتَطِبَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ } إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ . وَأَمَّا الْجَائِزُ مِنْهَا فَمِثْلُ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ مُوسَى وَالْخَضِرِ: أَنَّهُمَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ فَاسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا . وَمِثْلُ قَوْلِهِ: { لَا تَحِلُّ الْمَسْأَلَةُ إلَّا لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ أَوْ غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ فَقْرٍ مُدْقِعٍ } وَمِثْلُ { قَوْلِهِ لقبيصة بْنِ مخارق الْهِلَالِيِّ: يَا قَبِيصَةُ لَا تَحِلُّ الْمَسْأَلَةُ إلَّا لِثَلَاثَةِ: رَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ: فَسَأَلَ حَتَّى يَجِدَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ ثُمَّ يُمْسِكُ . وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ فَيَقُولُونَ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ فَسَأَلَ حَتَّى يَجِدَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ ثُمَّ يُمْسِكُ . وَرَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَسَأَلَ حَتَّى يَجِدَ حَمَالَتَهُ ثُمَّ يُمْسِكُ . وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّمَا هِيَ سُحْتٌ يَأْكُلُهُ صَاحِبُهُ سُحْتًا } . وَلَمْ يَكُنْ فِي الصَّحَابَةِ - لَا أَهْلِ الصُّفَّةِ وَلَا غَيْرِهِمْ - مَنْ يَتَّخِذُ مَسْأَلَةَ النَّاسِ وَلَا الْإِلْحَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ بِالْكُدْيَةِ وَالشِّحَاذَةِ لَا بِالزِّنْبِيلِ وَلَا غَيْرِهِ صِنَاعَةً وَحِرْفَةً بِحَيْثُ لَا