فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 1664

قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهم سفرة في جراب، فقطمت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين، ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور فكمنا (1) فيه ثلاث ليالٍ يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام، شاب، ثقف (2) لقن (3) ، فيدلج (4) من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يَكتادان (5) به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك، حين يختلط الظلام ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولي أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليها حين تذهب ساعة من العشاء فيبتان في رِسَل- وهو لبن منحتهما ورضيفهما (6) - حتى ينعق (7) بها عامر بن فهيرة بغلس (8) يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل وهو من بني عبد بن عدي هاديا خريتا- والخريت الماهر- بالهداية قد غمس حلفًا (9) في آل العاص ابن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر به فهيرة، والدليل فأخذ بهم طريق السواحل» (10) .

ثالثًا: خروج الرسول صلى الله عليه وسلم ووصوله إلى الغار:

لم يعلم بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد حين خرج إلا علي بن أبي طالب، وأبو بكر الصديق وآل أبي بكر.

أما علي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يتخلف، حتى يؤدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع، التي كانت عنده للناس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده، لما يعلم من صدقه وأمانته (11) وكان الميعاد بين الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر - رضي الله عنه - فخرجا من خوخة (12) لأبي بكر في ظهر بيته، وذلك للإمعان في الاستخفاء حتى لا تتبعهما قريش، وتمنعهما من تلك الرحلة المباركة، وقد اتعدا مع الليل على أن يلقاهما عبد الله بن أريقط في غار ثور بعد ثلاث ليال (13) .

رابعًا: رِقة النبي صلى الله عليه وسلم عند خروجه من مكة:

وقف الرسول صلى الله عليه وسلم عند خروجه بالحزورة في سوق مكة، وقال: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت» (14) .

ثم انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه من بطش المشركين، وصرفهم عنهما.

روى الإمام أحمد عن ابن عباس: (أن المشركين اقتفوا الأثر حتى إذا بلغوا الجبل جبل ثور اختلط عليهم، فصعدوا الجبل فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسيج العنكبوت فقالوا: لو دخل هاهنا أحد لم يكن نسيج العنكبوت على بابه) (15) وهذه من جنود الله عز وجل التي يخذل بها الباطل، وينصر به الحق؛ لأنه جنود الله جلت قدرته أعم من أن تكون مادية أو معنوية، وإذا كانت مادية فإن خطرها لا يتثمل في ضخامتها فقد تفتك جرثومة لا تراها العين بجيش ذي لجب، قال تعالى: ( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ ) [المدثر: 31] . أي وما يعلم جنود ربك لفرط كثرتها إلا هو، فجنود الله غير متناهية؛ لأن مقدوراته غير متناهية (16) كما أنه لا سبيل لأحد إلى حصر الممكنات والوقوف على حقائقها وصفاتها ولو إجمالا فضلا عن الاطلاع على تفاصيل أحوالها من كم وكيف ونسبة (17) .

خامسًا: عناية الله سبحانه وتعالى ورعايته لرسوله صلى الله عليه وسلم:

بالرغم من كل الأسباب التي اتخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لم يرتكن إليها مطلقًا وإنما كان كامل الثقة في الله، عظيم الرجاء في نصره وتأييده، دائم الدعاء بالصيغة التي علمه الله إياها (18) قال تعالى: ( وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا ) [الإسراء: 80] .

(1) كمنا فيه: أي استترا واستخفيا ومنه الكمين في الحربة، النهاية (4/201) .

(2) ثَقِفْ: ذو فطنة وذكاء والمراد ثابت المعرفة بما يحتاج إليه، النهاية (1/216) .

(3) لقن: فهم حسن التلقي لما يسمعه، النهاية (4/266) .

(4) يدلج: أدلج إذا سار أول الليل وادّلج بالتشديد إذا سار آخره.

(5) يُكتادان: أي يطلب لهما فيه المكروه وهو من الكيد.

(6) الرضيف: اللبن المرضوف، وهو الذي طرح فيه الحجارة المحماة ليذهب وَخَمُه.

(7) ينعق: نعق بغنمه، أي صاح بها وزجرها، القاموس المحيط (3/295) .

(8) الغلس: ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح، النهاية (3/377) .

(9) غمس حلفًا: أي أخذ بنصيب من عقدهم وحلفهم يأمن به.

(10) البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي رقم 3905.

(11) السيرة النبوية لابن كثير (2/234) (11) الهجرة في القرآن الكريم، ص334.

(13) خاتم النبيين لأبي زهرة (1/659) السيرة النبوية لابن كثير (2/234) .

(14) الترمذي، كتاب المناقب، باب فضل مكة (5/722) .

(15) مسند الإمام أحمد (1/348) . … (3) انظر: تفسير الرازي (30/208) .

(16) انظر: تفسير أبي مسعود (9/60) .

(18) انظر: الهجرة النبوية المباركة، ص72. …

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت