والمهاجرة في الأصل: مصارمة الغير ومتاركته؛ من قوله عز وجل: { والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا } [الأنفال/74] ، وقوله: { للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم } [الحشر/8] ، وقوله: { ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله } [النساء/100] ، { فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله } [النساء/89] فالظاهر منه الخروج من دار الكفر إلى دار الإيمان كمن هاجر من مكة إلى المدينة، وقيل: مقتضى ذلك هجران الشهوات والأخلاق الذميمة والخطايا وتركها ورفضها، وقوله: { إني مهاجر إلى ربي } [العنكبوت /26] أي: تارك لقومي وذاهب إليه. وقوله: { ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها } [النساء/97] ، وكذا المجاهدة تقتضي مع العدى مجاهدة النفس كما روي في الخبر: (رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) (عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) قال العراقي: رواه البيهقي في الزهد، وفيه ضعف.
انظر: تخريج أحاديث الإحياء 4/1537 والزهد للبيهقي ص 165)، وهو مجاهدة النفس. وروي: (هاجروا ولا تهجروا) (هذا من حديث عمر فإنه قال:(هاجروا ولا تهجروا، واتقوا الأرنب أن يحذفها أحدكم بالعصا، ولكن ليذك لكم الأسل الرماح والنبل) . انظر: غريب الحديث 3/310؛ والنهاية 5/245) أي: كونوا من المهاجرين، ولا تتشبهوا بهم في القول دون الفعل، والهجر: الكلام القبيح المهجور لقبحه. وفي الحديث: (ولا تقولوا هجرا) (شطر الحديث: عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(نهيتكم عن لحوم الأضحى بعد ثلاث، فكلوا وتصدقوا وادخروا، ونهيتكم عن الانتباذ، فانتبذوا، وكل مسكر حرام، ونهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ولا تقولوا هجرا) أخرجه مالك في الموطأ، باب ادخار لحوم الأضاحي. انظر: شرح الزرقاني 3/76. وأخرجه الطبراني في الأوسط 3/343) وأهجر فلان: إذا أتى بهجر من الكلام عن قصد، وهجر المريض: إذا أتى ذلك من غير قصد، وقرئ: { مستكبرين به سارما تهجرون } [المؤمنون/67] (وبها قرأ نافع) ، وقد يشبه المبالغ في الهجر بالمهجر، فيقال: أهجر: إذا قصد ذلك، قال الشاعر:
-464 - كما جدة الأعراق قال ابن ضرة * عليها كلاما جار فيه وأهجرا
(البيت للشماخ من قصيدة مطلعها:
أتعرف رسما دارسا قد تغيرا * بذروة أقوى بعد ليلى وأقفر
وهو في ديوانه ص 135؛ والمجمل 4/899؛ وفصل المقال ص 24)
الشاعر:
ورماه بهاجرات فمه أي: فضائح كلامه، وقوله: فلان هجيراه كذا: إذا أولع بذكره، وهذي به هذيان المريض المهجر، ولا يكاد يستعمل الهجير إلا في العادة الذميمة اللهم إلا أن يستعمله في ضده من لا يراعي مورد هذه الكلمة عن العرب. والهجير والهاجرة: الساعة التي يمتنع فيها من السير كالحر؛ كأنها هجرت الناس وهجرت لذلك، والهجار: حبل يشد به الفحل، فيصير سببا لهجرانه الإبل، وجعل على بناء العقال والزمام، وفحل مهجور، أي: مشدود به، وهجار القوس: وترها، وذلك تشبيه بهجار الفحل.
وفي النهاية في غريب الحديث (1) :
هجر* (س) فيه «لا هَجْرةَ بعد الفَتْح، ولكِنْ جِهَادٌ ونِيَّة» .
(س) وفي حديث آخر «لا تَنْقَطِع الهِجْرةُ حتَّى تَنْقَطِعَ التَّوبَة» الهِجْرة في الأصْل: الاسْم من الهَجْرِ، ضِدّ الوَصْلِ. وقد هَجَره هَجْرًا وهِجْرانًا، ثُم غَلَب على الخُرُوج من أرض إلى أرض، وتَركِ الأولى للثَّانية. يُقال منه: هاجَر مُهاجَرةً.
والهِجْرَة هِجْرتَان: إحْدَاهُما التّي وَعَدَ اللَّه عليها الجنّة في قوله «إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِن المؤمنين أنْفُسَهُمْ وأمْوالَهم بأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ» فكَان الرَّجُل يَأتي النبيَّ صلى اللَّه عليه وسلم ويَدَعُ أهْلَه وَمَاله، لا يَرْجِع في شيء منه، ويَنْقَطِع بِنَفْسه إلى مُهاجَرِه، وكان النبيُّ صلى اللَّه عليه وسلم يَكْرَه أن يَمُوت الرَّجُلُ بالأرض التي هَاجَر منها، فَمِن ثَمَّ قال: «لكِن البَائِس سَعْد بنُ خَوْلَةَ» يَرْثي له رسولُ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنْ ماتَ بِمَكّة. وقال حين قدم مكة: «اللّهم لا تَجْعَل مَنَايَانَا بِهَا» فلمَّا فُتِحَتْ مَكّةُ صارَت دَارَ إسْلام كالمدِينَة، وانْقَطَعت الهِجْرَة.
والهِجْرة الثَّانِيَة: مَن هَاجَر مِن الأعْرابِ وغَزَا مع المُسْلمين، ولم يفعل كما فَعَل أصْحابُ الهِجْرة الأولى، فهو مُهاجِر، ولَيْس بِدَاخِل في فَضْل من هاجَر تِلْك الهِجْرَة، وهُو المرادُ بقوله: «لا تنْقَطِع الهجرةُ حتى تَنْقَطِع التَّوبَة» .
فهَذا وجْه الجَمْع بَيْن الحديثين. وإذا أُطْلِق في الحديث ذِكْرُ الهِجْرَتَيْن فإنما يُرَادُ بهما هِجْرةُ الحَبَشَة وهجْرةُ المدينة.
* - ومنه الحديث «سَتَكون هجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرة، فَخِيَار أهْل الأرض ألْزَمُهُم مُهَاجَرا إبراهيم» المُهَاجَر، بفتح الجيم: موضِع المُهاجَرَة، ويُريدُ به الشّام؛ لأنَّ إبراهيم عليه السلام لَمَّا خَرج من أرض العرَاق مَضَى إلى الشَّام وأقام به.
(1) - النهاية في غريب الأثر - (ج 5 / ص 557)