كِتَابُ بَيَانِ أَحْكَامِ الْفَرَائِضِ وَالْوَصَايَا الْفَرَائِضُ جَمْعُ فَرِيضَةٍ بِمَعْنَى مَفْرُوضَةٍ أَيْ مُقَدَّرَةٍ لِمَا فِيهَا مِنْ السِّهَامِ الْمُقَدَّرَةِ فَغَلَبَتْ عَلَى غَيْرِهَا . وَالْفَرْضُ لُغَةً التَّقْدِيرُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ * أَيْ قَدَّرْتُمْ وَشَرْعًا نَصِيبٌ مُقَدَّرٌ شَرْعًا لِلْوَارِثِ , وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ آيَاتُ الْمَوَارِيثِ وَالْأَخْبَارُ كَخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ . أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ * فَإِنْ قِيلَ مَا فَائِدَةُ ذِكْرِ ( ذَكَرٍ ) بَعْدَ ( رَجُلٍ ) ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ مُقَابِلُ الصَّبِيِّ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ مُقَابِلُ الْأُنْثَى . فَإِنْ قِيلَ: لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ ذَكَرٍ كَفَى , فَمَا فَائِدَةُ ذِكْرِ رَجُلٍ مَعَهُ ؟ أُجِيبَ بِأَنْ لَا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوَارِيثُ يُوَرِّثُونَ الرِّجَالَ دُونَ النِّسَاءِ وَالْكِبَارَ دُونَ الصِّغَارِ , وَكَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ بِالْحَلِفِ وَالنُّصْرَةِ ثُمَّ نُسِخَ فَتَوَارَثُوا بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ ثُمَّ نُسِخَ فَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ وَاجِبَةً لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ , ثُمَّ نُسِخَ بِآيَتَيْ الْمَوَارِيثِ , فَلَمَّا نَزَلَتَا قَالَ صلى الله عليه وسلم: إنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ * وَاشْتُهِرَتْ الْأَخْبَارُ بِالْحَثِّ عَلَى تَعْلِيمِهَا وَتَعَلُّمِهَا مِنْهَا: تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهُ أَيْ عِلْمَ الْفَرَائِضِ: النَّاسَ فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ , وَإِنَّ هَذَا الْعِلْمَ سَيُقْبَضُ وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ حَتَّى يَخْتَلِفَ اثْنَانِ فِي الْفَرِيضَةِ فَلَا يَجِدَانِ مَنْ يَقْضِي فِيهَا * . وَمِنْهَا: تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ فَإِنَّهُ مِنْ دِينِكُمْ وَإِنَّهُ نِصْفُ الْعِلْمِ وَإِنَّهُ أَوَّلُ عِلْمٍ يُنْزَعُ مِنْ أُمَّتِي * . وَإِنَّمَا سُمِّيَ نِصْفَ الْعِلْمِ لِأَنَّ لِلْإِنْسَانِ حَالَتَيْنِ حَالَةُ حَيَاةٍ وَحَالَةُ مَوْتٍ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَحْكَامٌ تَخُصُّهُ . وَقِيلَ النِّصْفُ بِمَعْنَى الصِّنْفِ قَالَ الشَّاعِرُ: إذَا مِتُّ كَانَ النَّاسُ نِصْفَانِ شَامِتٌ وَآخَرُ مُثْنٍ بِاَلَّذِي كُنْت أَصْنَعُ .